” العربي الجديد ” الحكومة اليمنية: تشوهات الولادة

خلف الاحتفاء السعودي بتشكيل “حكومة كفاءات” يمنية جديدة، والترحيب الدولي والعربي بهذا التطور، فإن الولادة المتعسرة لحكومة معين عبد الملك التي تم الكشف عنها ليل الجمعة، بعد أكثر من 13 شهراً على توقيع اتفاق الرياض في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، كشفت عن تشوهات في عملية المحاصصة بين الأطراف المختلفة، والتي انتهت إلى إدخال “المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي الموالي للإمارات للمرة الأولى في إطار حكومة معترف بها دولياً.

ضمت الحكومة الجديدة، 13 وزيراً من المحافظات الجنوبية، مقابل 11 للمحافظات الشمالية

وبالنظر إلى التشكيلة الحكومية المعلنة، لم يكن الاختلال الحاصل في تنفيذ اتفاق الرياض مقتصراً على تجاهل التمرد المسلح للانفصاليين في جزيرة سقطرى منذ مطلع يونيو/حزيران الماضي، فضلاً عن مسألة سلق تنفيذ الشق العسكري في أبين وعدن، بل في الانقلاب على توزيع الحصص بالمناصفة بين محافظات الشمال والجنوب، إذ ضمت الحكومة الجديدة، 13 وزيراً من المحافظات الجنوبية، مقابل 11 للمحافظات الشمالية التي ما زالت غالبيتها تحت سيطرة جماعة الحوثيين. وستدخل الحكومة الجديدة العام المقبل محملة بملفات شائكة ومعقدة، على رأسها وقف الانهيار الاقتصادي وتدهور العملة المحلية والانفلات الأمني في كافة المحافظات المحررة، فضلاً عن قضية رئيسية هي استعادة مؤسسات الدولة وهيبتها من “المجلس الانتقالي”، وخصوصاً في عدن ولحج وأبين وسقطرى.

وبعد سلسلة من التعثرات وطرح عدد من آليات التنفيذ التي تمت هندستها بما يتوافق مع هوى الانفصاليين في الجنوب، كثفت السعودية من ضغوطها على السلطة الشرعية التي تستضيفها في الرياض منذ مارس/آذار 2015، ليتم الإعلان عما أسميت بـ”حكومة الكفاءات” مساء الجمعة، على الرغم من التنفيذ المختل لاتفاق الرياض. وسارعت السعودية للترحيب بتنفيذ الأطراف اليمنية ممثلة بالحكومة الشرعية و”المجلس الانتقالي” لاتفاق الرياض، وبتشكيل “حكومة كفاءات” سياسية. وقالت الخارجية السعودية، إن الإعلان عن تشكيل الحكومة، جاء بعد أن تم تنفيذ الترتيبات العسكرية الخاصة بخروج القوات العسكرية من عدن إلى خارج المحافظة، وفصل القوات العسكرية في أبين ونقلها إلى مواقعها المنتخبة، لكن الواقع على الأرض يشير إلى غير ذلك.

واقتصرت الحكومة الجديدة التي يرأسها عبد الملك، على 24 حقيبة وزارية فقط، كان النصيب الأبرز فيها لـ”المجلس الانتقالي” وحزب “التجمع اليمني للإصلاح” و”المؤتمر الشعبي” في جناحه الموالي للشرعية، بخمس حقائب لكل منهم، فيما حصل الرئيس عبد ربه منصور هادي على 4 حقائب سيادية، والحزب “الاشتراكي” على حقيبتين، أما باقي الوزارات فذهبت إلى “التنظيم الناصري” و”الرشاد” السلفي ومكوّن حضرموت بواقع حقيبة لكل منهم. ونال “الانتقالي” 5 حقائب وزارية هي النقل، والأشغال العامة، والزراعة بعد دمجها مع الثروة السمكية، والشؤون الاجتماعية والعمل، إضافة إلى الخدمة المدنية.

وكان الخرق الأبرز لبنود اتفاق الرياض واضحاً في الحقائب السيادية الخاصة بهادي، ففي حين ألزم الاتفاق كافة الأحزاب بتوزيع الحقائب بالمناصفة بين أعضائها في الشمال والجنوب، منح هادي 3 من حقائبه الأربع لوزراء جنوبيين هم أحمد عوض بن مبارك وزيراً للخارجية، وإبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وسالم بن بريك وزيراً للمالية، فيما احتفظ الفريق محمد المقدشي بحقيبة وزارة الدفاع ممثلاً للمحافظات الشمالية. وباستثناء 5 وزراء فقط حافظوا على حقائبهم، دفعت الأطراف والمكونات بدماء جديدة إلى تشكيلة الحكومة الجديدة، أبرزهم سفير اليمن في واشنطن أحمد عوض بن مبارك الذي كان له موقف متذبذب حتى الساعات الأخيرة. وكان وزير الإعلام معمر الإرياني، أبرز الوجوه التي حافظت على حقيبتها نظراً للعلاقة القوية التي تربطه بالسفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، وبات يتولى الآن 3 وزارات مدمجة في حقيبة واحدة هي الإعلام والثقافة والسياحة. كما تمسك حزب “الإصلاح” بوزير الشباب والرياضة نايف البكري، في ما يشبه التحدي لـ”المجلس الانتقالي” الذي يمنع البكري من دخول عدن منذ 2015، على الرغم من أنه كان من قادة مقاومتها المسلحة ضد الحوثيين.

وبالمقارنة مع الحقائب التي أُسندت لحزب “المؤتمر الشعبي” و”المجلس الانتقالي”، بدت الوزارات التي آلت لـ”التجمع اليمني للإصلاح” ثانوية، وكأن الحزب فضّل عدم تقلد الحقائب الخدمية التي تجعله في فوهة المدفع أمام الرأي العام، إذ حصل على حقائب الصناعة والتجارة، والتعليم العالي والفني، والصحة، والشباب والرياضة، والشؤون القانونية بعد دمجها مع حقوق الإنسان. وتمسك “المؤتمر الشعبي” بوزارة النفط منذ حكومة محمد سالم باسندوة عام 2012، بالإضافة إلى الإعلام والثقافة والسياحة، والاتصالات، والكهرباء، والعدل. كما احتفظ “التنظيم الناصري” بوزارة الإدارة المحلية التي أسندها فقط لوجه جديد بعد إزاحة عبد الرقيب فتح. وأعاد “الاشتراكي” وزير النقل في حكومة باسندوة، واعد باذيب إلى الواجهة وذلك بتقلده حقيبة هامة هي التخطيط والتعاون الدولي، كما حصل الحزب على وزارة المياه، فيما احتفظ “الرشاد” السلفي بوزارة الأوقاف.

وبعيداً عن حصص الأحزاب، كان من اللافت أن المحافظات الشمالية لم تحصد العدد الكبير من الوزارات الاستراتيجية باستثناء الدفاع والإدارة المحلية والاتصالات، فيما حصد الجنوب حقائب هامة أبرزها الخارجية والداخلية والمالية، كوزارات سيادية، فضلا عن التخطيط والنقل والأشغال والخدمة المدنية والتربية والتعليم. ووضع “المجلس الانتقالي” يده على أبرز الوزارات الاستراتيجية وهي النقل، والتي ستجعله يضع يده على المنافذ الجوية والبحرية والبرية الغنية بالموارد، والتحكم بمطار سيئون ومنفذ الوديعة الذي يربط محافظة حضرموت مع السعودية، فضلاً عن موانئ عدن والمكلا وسقطرى والمخا.

مقابل ذلك، وللمرة الأولى منذ عام 2001، خلت الحكومة اليمنية من أي وجه نسائي، على الرغم من ضغوط متأخرة قادها التكتل النسوي الذي يضم عدداً من قياديات المجتمع المدني، على هادي والأحزاب السياسية، ورفعهن شعارات أن لا شرعية لحكومة دون تمثيل النساء. وبدت خيبة إقصاء النساء من التمثيل الحكومي ظاهرة في البيان الترحيبي للمبعوث الأممي مارتن غريفيث، الذي كان من أشد المتحمسين لإشراك المرأة في مواقع صنع القرار، وبسقف مرتفع يصل إلى 30 بالمائة. وطالب المبعوث الأممي في بيانه الذي اعتبر فيه تشكيل الحكومة “خطوة محورية” نحو حل دائم للصراع، القوى والأحزاب بـ”ضرورة القيام بالمزيد من العمل لإشراك المرأة اليمنية في الحكومة ومناصب صنع القرار، خصوصاً في أعقاب السابقة التاريخية التي حددها الانتقال السياسي في اليمن من خلال مؤتمر الحوار الوطني”.

وفي أول تعليق له بعد صدور القرار الرئاسي، أقر عبد الملك بصعوبة المرحلة المقبلة، وقال إنها ستكون أمام “مسؤوليات تاريخية ومهام عاجلة وشاقة”. وأشار في بيان صحافي، إلى أن المرحلة تستدعي العمل الجاد والحازم والرؤية الوطنية الواسعة والبرنامج السياسي والاقتصادي الواضح والسليم والإرادة الصلبة لاستكمال إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة والاستقرار وبناء المؤسسات وتنمية الموارد ومواجهة الفساد وتحسين الخدمات. كما اعتبر أن إعلان ما أسماها بـ”حكومة الكفاءات السياسية”، يعيد وضع الدولة والحكومة وتحالف دعم الشرعية أمام المهام الحقيقية وعلى رأسها إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، في إشارة لجماعة الحوثيين في صنعاء وغالبية محافظات الشمال. فيما قال مصدر حكومي لـ”العربي الجديد”، إن الحكومة لن تعود إلى العاصمة المؤقتة عدن خلال اليومين المقبلين، وستؤدي اليمين القانونية أمام هادي في الرياض وليس في قصر المعاشيق الرئاسي كما كان مخططا له. ومن المقرر أن تشهد الأيام المقبلة مزيداً من التفاهمات بين المكونات اليمنية حول تعيينات لمحافظي المحافظات الخاضعة للشرعية، وكذلك عدد من سفراء الدول الهامة، وخصوصا الولايات المتحدة التي باتت سفارة اليمن فيها شاغرة عقب تعيين أحمد عوض بن مبارك وزيراً للخارجية، وفقا للمصدر. وقال السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام سعودية، أمس، إن الحكومة اليمنية ستعود إلى عدن خلال أسبوع، وفور انتهاء الترتيبات.

ولا يبدو أن الطريق ستكون مفروشة بالورود أمام طموحات رئيس الحكومة لتحقيق برنامجه السياسي والاقتصادي الذي أشهره منذ أسابيع، إذ تشير كافة الشواهد إلى أن الحكومة ستكون رهينة عند “المجلس الانتقالي” الذي يفرض قبضته العسكرية والأمنية على العاصمة المؤقتة عدن. وفور صدور القرار الرئاسي مساء الجمعة، كشف نائب رئيس المجلس، القيادي السلفي هاني بن بريك، عن نبرة وصاية، طالب فيها الحكومة الجديدة بـ”البعد التام عن أذية الشعب الجنوبي في تقرير مصيره”، في إشارة إلى استمرار الطموحات الانفصالية على الرغم من انخراط المجلس بالحكومة. وفي مؤشر على نوايا مبطنة ضد حزب “الإصلاح” الذي يتهمونه بالإرهاب، دعا بن بريك، في تغريدة على “تويتر”، لأن تصب الجهود بعد تشكيل الحكومة في القضاء على الإرهاب بكل صوره، وعلى رأسه الإرهاب الحوثي.

ومقابل العوائق الكبيرة التي تبدو في وجه الحكومة، لكن تشكيلها قوبل بردود فعل عربية ودولية مرحبة. ورحب الأردن بتنفيذ بنود اتفاق الرياض والإعلان عن تشكيل حكومة كفاءات سياسية وإنهاء الترتيبات العسكرية، معرباً عن “أمنياته بأن تسهم هذه الخطوة في التوصل لتسوية شاملة لإنهاء الأزمة اليمنية”. كما رحبت الكويت بهذه الخطوة، معربةً عن أملها في أن تشكل الطريق للوصول إلى الحل السياسي المنشود. من جهتها، أملت الخارجية الإماراتية أن تكون هذه خطوة “على طريق تحقيق حل سياسي وتسريع الدفع بمسارات إنهاء الأزمة اليمنية”. دولياً، برز ترحيب الولايات المتحدة بتشكيل “حكومة جديدة وشاملة تمثل المكونات السياسية اليمنية”، معتبرة أنها خطوة “تساعد على تحقيق التقدم والسلام لجميع اليمنيين”، وذلك في بيان صدر عن السفير الأميركي كريستوفر هنزل.

الخبر من المصدر

شارك

تصنيفات: حقوق وحريات,متابعات