نزيه مرياش يكتب / حرب اليمن قلب مشروع الدخول في الإمبراطورية الإسرائيلية

في ضوء الهزيمة التاريخية التي مُنيت بها إسرائيل من الجيش المصري العظيم في حرب أكتوبر الخالدة، صبت إسرائيل جم تركيزها السياسي والقومي بكافة وسائلها الداخلية والإقليمية، لصياغة وأقع مضاد لما فرضته عليها حرب أكتوبر التي حرمتها من قلب الإقليم العربي الواقع في شبه جزيرة سيناء التي يقبع في ثنايا قلبها قناة السويس.
إسرائيل تعلم أنه تم حصارها بحرياً بعد حرمانها من قناة السويس، التي تمثل القفل المركزي للبحار والمحيطات بين نصفي الكرة الغربي والشرقي، لذلك فإن إسرائيل تحاول صنع قفل ومفتاح بديلين في عدن وباب المندب، لفك حصارها والتحكم بقناة السويس، كونها تعلم أن البحار المفتوحة تتحكم بالبحار المغلقة.
ولأجل وضع باب المندب بين مخالبها، لعبت إسرائيل كالشريك الرئيسي في الحرب على اليمن منذ البداية، حيث انضم سرب من الطائرات الإسرائيلية إلى العمليات في اليمن، وشنت أول غارة على معسكر للتدريب في تعز، إضافة إلى ذلك ألقت طائرتان إسرائيليتان قنبلة (النيوترونية) على جبل نقم.
وقد اعترفت علناً القنوات الإسرائيلية بمشاركة 42 طياراً إسرائيلياً وعسكريين في قيادة عدة محاور على الأرض، كان أهمها باب المندب والمخا، إضافة إلى 70 خبيراً عسكرياً وفنياً وخبراء رادارات شاركوا في إدارة غرف العمليات.
ولأجل باب المندب أيضاً اجتهدت إسرائيل لتغرس في كبد الإقليم العربي محاورها الستة كرمز لنجمتها سداسية الرؤوس التي أضاءت في اليمن.
هذه المحاور التي تغذت -حتى بلغت سن المراهقة- على الصراع السني الشيعي وتغلغلت فيه، وعلى انهيار الهوّية القومية العربية وعلى الفوضى الإقليمية وعلى ما كسبت من شركاء -بشكل مؤقت- خليجيين الذين سيصبحون في المستقبل كوكلاء أمنيين فقط.
هذه المحاور، التي مثلت البساط الذي تحركت إسرائيل عليه، بقوة محرك نفاث أمريكي وغربي وبعجلات خليجية، كانت الرحم الذي أنجب الفرصة لإسرائيل لتحسين موقفها وكسب التميز الإستراتيجي، والقيام بعمليات اختراق في العمق العربي، لتتمكن من فرض شخصيتها كبوليس على الوطن العربي.
المحور الأول:
أمنت إسرائيل بمفهومها الأمني الإستراتيجي الذي يرى أن حدود الأمن الإسرائيلي يمتد من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي، وفي قلبها منطقة الخليج العربي التي تم وضعها داخل دائرة الأمن القومي الإسرائيلي. ولأجل إرساخ هذا المفهوم الأمني الإستراتيجي، تعمل إسرائيل بكل حيلها لنقل محور الدفاع عن الخليج من المحيط الهندي إلى إسرائيل، وجمع أمن الخليج وأمن إسرائيل في بئر واحدة، قبل وضعهما في بئر إسرائيلية واحدة.
المحور الثاني:
نجاح إسرائيل بمشاركة كلٍّ من السعودية والإمارات لإنشاء منظمة تحت اسم تحالف البحر الأحمر والخليج العربي، والتي أُنجزت في عام 2018م. حيث تم البدء بتشكيل هذه المنظمة عبر إنشاء السعودية والإمارات لقوة بحرية مشتركة تحت اسم (قوة البحر الأحمر)، تملك قوة برية في شمال ميناء مصوع، وقاعدة جوية في مطار عصب وقاعدة بحرية في مرسى درما، علماً أن قاعدة (عصب) يتواجد فيها ضباط أمريكيون وإسرائيليون وبريطانيون بمشاركة ضباط سعوديين وإماراتيين.
المحور الثالث:
نجاح التفاهمات الإسرائيلية السعودية حول باب المندب، حيث تمت لقاءات في الأردن بين سفيرين سعودي وإسرائيلي، تم فيها إبلاغ إسرائيل بموافقة السعودية لمنح إسرائيل الموافقة على بناء قاعدة في باب المندب، ولقد أكد ذلك أحد المسؤولين الإسرائيليين في حزب ميرتس الإسرائيلي، الذي أكد أيضاً أن هناك مذكرة تفاهم سعودية خاصة بتنظيم الملاحة في البحر الأحمر منذ عام 2014م.
المحور الرابع:
التمهيد لتغيير جيوإستراتيجي في اليمن بعد أن تم تغييره في المنطقة كلها، فالهدف الرئيسي من حرب اليمن، هو تفكيك الدولة اليمنية وإعادة بنائها على قاعدة أقاليم ستة، تتمتع بصلاحيات سيادية مطلقة إلى حين تتم عقد صفقات خارجية لصالح هؤلاء الشركاء -أمريكا وبريطانيا ودول الخليج- تحديداً، وبالدرجة الأولى إسرائيل.
المحور الخامس:
تهدف إسرائيل إلى السيطرة على موانئ عدن – المخا – الحديدة التي تشكل بوابة التغيير الجيوإستراتيجى، ليس في اليمن فحسب بل في المنطقة كلها، حيث تكمن الأهمية الإستراتيجية لهذه الموانئ في أنها مركز الموانئ البحرية المقابل لميناء عصب الإريتري، ومن يضع يده عليها يسيطر تماماً على الخط التهامي بطول 500 كم، ولذلك فإن الحرب على اليمن ليست للدفاع عن الشرعية أو لأن اليمن الحديقة الخلفية للسعودية أو للقضاء على المد الإيراني، بل لأن اليمن قلب مشروع إقحام الإقليم العربي تحت إبط الإمبراطورية الإسرائيلية.
المحور السادس:
تعمل إسرائيل على قدم وساق في إنجاح مشروع جسر النور، والذي يهدف إلى ربط عدن بالقواعد العسكرية الغربية في جيبوتي وفي القرن الإفريقي عموماً، وبما أن إثيوبيا الحليف الإستراتيجي لإسرائيل إذاً فهي صاحبة كلمة الفصل، وهذا يعطي تفسيرات أعمق عن مشروع سد النهضة الإثيوبي.

شارك

تصنيفات: رأي