كواليس الرياض تخفي وراءها كوابيس الجنوب (تقرير)

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية

لم تقبل السعودية تكوين شراكة مع مكون جنوبي، منذ اندلاع “عاصفة حزمها” في العام 2015، بل على العكس من ذلك تماماً، يتعامل التحالف بقيادة الرياض مع المكونات الجنوبية بعدم ثقة، ولا يرى فيها إلا أدوات لمشاريعه.
كُتَّاب رأي جنوبيون، من بينهم الكاتب “أحمد سعيد كرامة” سبق وأن قالوا أثناء الدعوات التي وُجِّهت -في نوفمبر الماضي- للمكونات الجنوبية، للتسريع بتنفيذ اتفاق الرياض؛ إن مشكلة السعودية مع الجنوب تكمن في التعامل غير المتكافئ، وكأنَّ السعودية ترى أن المجلس الانتقالي ليس من مستواها، أما حكومة هادي فلا تعد في نظرها إلا رهينة المحبسين!!
يقول كُتاب الرأي الجنوبيون إن ما يحدث في الرياض يدعو للشك والريبة، وإنها حالياً ليست نقاشات أو مفاوضات أو مباحثات بين الشرعية والمجلس الانتقالي لتطبيق بنود اتفاق الرياض المشؤوم، بل هي مرحلة فرض إملاءات كارثية على الجنوب من قبل السعودية، فعلى الرغم من تنفيذ الانتقالي اتفاق الرياض كما يقول مناصروه، وبشكل حرفي على الأرض حتى مع عودة رئيس الوزراء في حكومة هادي معين عبدالملك في أكتوبر الماضي إلى عدن؛ إلا أن ذلك كله لم يكفِ لإرضاء المملكة المتعنتة في مواقفها تجاه الجنوب، رغم السخط الشعبي الواسع على التحالف وحكومة هادي في مناطق سيطرتهما.
ومن جهتهم، يتساءل خبراء اقتصاديون: لماذا كل الموارد المالية والمرافق السيادية والإيرادية في عدن من بنك مركزي وغيره تحت سيطرة الشرعية، بينما الشعب الجنوبي يعاني الأمرَّين على مرأى ومسمع من السعودية التي تعطي معين وحكومته الدعم وتقلصه عن المواطنين، فهل هذا مما ينضوي في إطار اختلاقها صراعات بين الانتقالي والشرعية وهما طرفا مناصفتها اللذان اختارتهما، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟!!
إلى ذلك تساءل ناشطون عن أسرار استدعاء السعودية لعيدروس الزبيدي إلى الرياض منتصف نوفمبر الماضي، وعما إذا كان فعلاً تحت الإقامة الجبرية أم لا، خاصة مع قلة ظهوره في الفترات الأخيرة؛ إذ يظل لأسابيع طويلة خلف الكواليس ليظهر بعد ذلك ظهوراً عابراً وعلى استحياء، وكأن السعودية تريد في تعاملها معه بهذا الشكل إيصال رسالة إلى المكونات الجنوبية وكافة المكونات المؤيدة أو الحليفة أو حتى المضاهية لما تسمى بالشرعية، بأن تظل رهن وصايتها أو فلا مكان لها.
بن عديو هو الآخر، لا يشي تواجده في الرياض إلا عن ضغوط السعودية على حلفائها من كل التيارات، قائلة لهم: إما أن تكونوا كما نريد، أو فلن تكونوا كما تريدون، في تحدٍّ واضحٍ منها لأي خروج على محددات رسمتها لمشروعها التوسعي في اليمن، هي وحليفتها الإمارات، حيث تتواطآن على التخلي عن حلفائهما إذا لزم الأمر ولا تختلفان إلا في حدود مصالحهما.
منذ تكوين حكومة المناصفة، لا تزال السعودية تفرض على المكونات الجنوبية ما يشبه نظام الكوتا، فالانتقالي لديه أربع وزارات عجاف، وحراك راشد وحراك با عوم والحراكات الأخرى كلها نشأت في كنف السعودية أو كنف رفضها الظاهري، بغية احتواء الانتقالي وتقليص نفوذه وتوسعه الذي تلاشى مؤخراً بفعل المعاناة الشعبية، وهكذا تعمل الرياض في سياق تعاملها مع كل المكونات، أما الشرعية فهي في جيب الرياض، من يدها اليمين إلى يدها الشمال، ومن يدها الشمال إلى يدها اليمين.
يبدو أن وفود الجنوب التفاوضية بالرياض تحاول أن تدير المأزق السياسي الذي يعصف بها، والذي يريد التحالف أن يضعها فيه، من خلال إصراره على التمسك بتنفيذ خارطة أجندته التي رسمها، وتحديد معالم ما بعد الحرب بالطريقة التي تعجبه، وقبل ذلك عدم الخروج عن المرجعيات الثلاث التي شكا منها ومن عرقلتها مسار الحل السياسي حتى المبعوث الأممي إلى اليمن.
وكانت أصوات جنوبية طالبت سابقاً بهيكلة وتغيير إدارة الهيئة العامة لمكافحة الفساد، على أن تكون مستقلة وقراراتها ملزمة، ولكن السعودية لم توافق، وهو ما انعكس من خلال رفض قوى حكومة معين هذه المقترحات، كما أن إجراء تعديل وزاري ولو محدود واستبعاد وزراء الداخلية والدفاع بسبب الفشل الذريع لهما في وزارتيهما السياديتين، ما يزال من المقترحات المرفوضة من السعودية وحلفائها.
إلى ذلك، عززت السعودية حضور بن عديو في شبوة رغم الأصوات الشبوانية المتعالية ضد سياسات سلطاته هناك، ولعل تواجده في الرياض -كما يقول مراقبون- هو لفرض المزيد من السلطان الجبروتي في شبوة بتحالف سعودي ـ إخواني، وإن ضمنياً، خاصة مع عدم إلزام حكومة معين عبدالملك بتوريد عائدات بيع شحنات النفط الخام في المحافظة إلى خزينة بنك عدن المركزي.
أما هادي، ففي المنفى بالرياض يستقبل نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان أو السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، ليملي كلٌّ منهما عليه ما يقول ويفعل خلال كل مرحلة، على حد تعبير مراقبين سياسيين اعتبروا أن هادي ومعين وجنودهما ووزراءهما كانوا خاطئين، وما زالوا خاطئين، وسيظلون خاطئين.
أما علي محسن الأحمر، الذي طالما تعنتر على الجنوبيين، فيلوذ بالصمت في كنف الكفيل السعودي كما يعلق كُتاب ساخرون، حيث إنه حتى لا يغرد ولا يكتب إلا بأوامر من السعودية وتوجيهات منها.
العجيب واللافت في الأمر أن ملف الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي تعهدت بها السعودية تجاه حلفائها في مناطق سيطرة التحالف ما يزال عالقاً ومرحَّلاً، فيما عدا تلك المعونات وأشكال الدعم الخاصة التي تذهب إلى جيوب النافذين من أعضاء حكومة هادي وخزائنهم.
في يوليو الماضي، كانت السعودية رفضت بشكل قاطع ولا رجعة فيه -حسب وسائل إعلامها- إجراءات وصفتها بالأُحادية من جانب الانتقالي، شعرت فيها بخروجه عن مسارات قراراتها، وطالبته بالقبول بالحلول السياسية التي تطرحها، ووقف ما وصفتها بأشكال التصعيد السياسي والعسكري والأمني والإعلامي التي ينتهجها الانتقالي، حسب قولها.
وأضافت الخارجية السعودية في بيان لها آنذاك، أن التصعيد السياسي والإعلامي وقرارات التعيين السياسية والعسكرية التي ظل يتخذها المجلس الانتقالي لا تنسجم مع ما تم الاتفاق عليه بين طرفي المناصفة، حسب تعبيرها.
هذه الإملاءات السعودية تفسِّر -بحسب مراقبين- تحركات رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي المحدودة التي لا تتعدى تحركات نظيره هادي، من استقباله السفير المصري، إلى استقبال مديري هيئات ومنظمات مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة الدولية، ومندوبي منظمات الشفافية، ومحرري بعض الصحف، في دلالة على أن حدود صلاحيات الجنوبيين في نظر السعودية لا تتعدى المستوى الوظيفي الإداري العادي.
علق بعض الباحثين في الشأن السياسي على كواليس الرياض بأنها صمت مريب، متسائلين عما يحدث هناك، وعن ماهية التفاوضات الخفية بين السعودية والإمارات حول توزين المصالح بينهما، وعن حقيقة الأحاديث عن تغيير بن عديو، وما إذا كانت التحركات الإماراتية في المكلا بقوة عسكرية تتكون من 200 طقم ومدرعة ولواء متكامل باتجاه بلحاف في شبوة هي خطوة لأول بوادر التوافق بين السعودية والإمارات.
قضية الجنوب هنا ضاعت، كما يقول معلقون جنوبيون على تساؤلات الناشطين، حيث يسعى هادي والزبيدي إلى إرضاء الجانب السعودي ـ الإماراتي، ويسعى معين إلى التشبث بمنصبه كرئيس للوزراء في ظل دعوات متصاعدة لإقالته، ويسعى محسن للإبقاء على مكانته بين كل هذه العواصف السياسية التي قد تطيح به.
هذا المخاض التصارعي لن يكون في صالح الجنوب إذا ما استمر طويلاً، ولا سيما أنه كلما طالت مدة الحل السياسي أضيفت إلى القضية الجنوبية -التي باتت تتجاذبها أطراف المكونات الجنوبية المتحاربة- غيرها من القضايا.

شارك

تصنيفات: الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير

وسوم: ,,,,,,,