المنطقة الحرة عدن.. بين تفريط حكومة هادي وأجندة الإمارات (تقرير)

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية

في سياق الحرب الاقتصادية يدفع التحالف السعودي الإماراتي بحكومة هادي إلى إغلاق منافذ اليمن البحرية عبر الضغط بكل الطرق لتحويل التجارة اليمنية التي تتدفق وتصدر عن تلك المنافذ إلى موانئ عدن، وتحت واحد من أهم شعارات الحرب والحصار المناقضة للممارسات على الأرض، حيث تتحجج تلك المساعي بذريعة النهوض بواقع ميناء عدن التجاري، وإحياء المنطقة الحرة الأهم في اليمن والمنطقة، بحكم موقعها في ملتقى قارتي آسيا وأفريقيا، والأقرب بين مناطق القارتين الحرة من أهم منفذ بحري للحركة التجارية العالمية.
الغموض الذي يكتنف تلك الشعارات ويغالط العامة من أبناء مناطق سيطرة التحالف، يترجم مساعي تدميرية خفية، سرعان ما تفضحها صراعات الانتقالي وحكومة هادي المحتدمة على الميناء وإدارة المنطقة، كاشفة مجريات ومساومات بيع سيادي تحت الطاولة تُجرى في فنادق الرياض مع حكومة هادي التي تعرف جيداً أنها لم تعد سوى أداة في يد المملكة، والأهم أن صراعهما (الانتقالي وحكومة هادي) هو الآخر يعكس تباين أجندة أبو ظبي والرياض إزاء المنطقة الحرة بعدن، كواحدة من أهم موارد اليمن الاقتصادية الفريدة.
وفيما يتحرك هذه الأيام رئيس مجلس وزراء حكومة هادي في المنطقة الحرة مدعوماً بإعلام التحالف، يرفع مسؤولون في حكومته، أصواتهم الرافضة لسياسات التحالف في الأراضي التي يسيطر عليها، معتبرين تلك التحركات والوعود التي ستمضي كسابقاتها، خطوات تمهد لتدمير المنطقة الحرة، مشددين -في الوقت ذاته- على عدم السماح لتلك المساعي بتدمير المنطقة الحرة أو إلغائها، عبر شرعنة ما استُحدث على أراضيها من عشوائيات ومشاريع خارج قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (65) لسنة 1993م بشأن المواقع والحدود الجغرافية التي سيبدأ فيها تطبيق نظام المنطقة الحرة في مدينة عدن وتعديلاته.
المنطقة الحرة -التي خُصص لها 15 موقعاً من الأراضي وبمساحة (32348) هكتاراً- تشكل منطقة جذب للمستثمرين انطلاقاً من مزايا عديدة لا تتوافر مجتمعة في أي مكان في المنطقة، من المدخل الطبيعي إلى الميناء بعمق 40 متراً بقنوات سهلة التعميق، ووفرة الأرض الصالحة للتوسعة والتنمية، والموارد البشرية المحلية رخيصة التكلفة، وإتاحة الملكية الأجنبية 100%، والإعفاء من ضرائب الأرباح التجارية والصناعية وضرائب الدخل لمدة 15 سنة قابلة للتجديد لـ10 سنوات إضافية، وحرية تحويل رؤوس الأموال والأرباح إلى خارج المنطقة الحرة، وعدم وجود أي قيود على العملة، وإعفاء العاملين غير اليمنيين من ضرائب الدخل، وعدم وجود قيود على استقدام واستخدام العمالة الأجنبية.
تلك المؤهلات كانت مصدر المخاوف الإماراتية ومبعث أطماعها في السيطرة على عدن؛ إذ سيسهم قيام دولة قوية في الدفع بالمنطقة الحرة إلى صدارة مناطق التجارة الحرة في غرب آسيا وشرق أفريقيا، وهذا سيمثل ضربة كبيرة لموانئ دبي؛ لذلك فقد سعت إلى وضع يدها عليها منذ بداية التسعينيات، عندما أقرت حكومة الوحدة آنذاك إنشاء منطقة التجارة الحرة في المدينة، حتى استحوذت شركة موانئ دبي العالمية على عقد استئجار ميناء عدن وتشغيل منطقته الحرة بموجب الاتفاقية المبرمة مع الحكومة اليمنية في 2008م.
وترجمة لتلك المخاوف تعمدت الإمارات عدم الوفاء ببنود الاتفاق الموصولة بتطوير الميناء، بل أهملته حتى تهالكت أدواته وتراجع نشاطه، فبعد أن كان يستوعب 500 ألف حاوية في العام الواحد قبل توقيع الاتفاقية، وكان من المفترض أن يرتفع استيعابه إلى مليون حاوية خلال مدة محددة، انخفض العدد إلى 270 ألف حاوية فقط في عام 2011م.. ما دفع بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد إلى التوجه بطلب رسمي إلى الحكومة اليمنية لفسخ العقد المبرم مع أبو ظبي، وهو ما تم في أغسطس 2012م، بعد خمس سنوات من توقيع العقد.
خروج الإمارات من ميناء عدن والمنطقة الحرة حوَّل مخاوفها إلى أطماع، خصوصاً مع ما تمر به اليمن من صراعات أضعفت مؤسسات الدولة، فسعت بشتى السبل إلى تعطيل مفاوضات الجمهورية اليمنية مع عدد من الشركات العالمية لتطوير الميناء وتشغيل المنطقة الحرة، وفق مسؤول يمني صرح بذلك في 2018م، مؤكداً الدور الإماراتي في إفشال المفاوضات اليمنية الصينية في نهاية 2012م بشأن دخول شركات صينية عملاقة في عمليات تطوير الميناء.
ومع تحول الحرب العسكرية الخاطفة -كما كان مخططاً لها- إلى حرب مفتوحة لسنوات لم يحدد عددها؛ تكشفت الأجندة الإماراتية والسعودية من وراء حشد ذلك التحالف الذي تساقط من حولهما، مع بروز الأهداف الاقتصادية البحتة من الحرب، وسيطرت الإمارات على عدن عبر ذراعها المسلح (الانتقالي)، ثم بعد ذلك تعلن صورياً رحيل قواتها من اليمن، ودفعت مع المملكة إلى اتفاق الرياض بين الانتقالي وحكومة هادي، كخطوة اعتبرها المحللون محاولة إماراتية للظهور بلباس المساعي الناهضة بالميناء والمنطقة الحرة، غير أن استطالة الحرب أسهمت في ارتفاع معدل التأمين على السفن التي ستأتي إلى الميناء للتزود بالوقود.
ولأن ميناء الحديدة يُعدّ الأهم في خاصرة البحر الأحمر والأقرب للسفن المارة بخط الملاحة الدولية والتجارة العالمية، فقد عمدت السعودية والإمارات إلى استهدافه وإحكام حصاره لتحويل السفن التجارية اليمنية وغير اليمنية للإبحار جبراً صوب ميناء عدن، منذ بداية الحرب 2015م، وصعَّدت الحصار الأشمل في نهاية 2017م ولا يزال محاصراً حتى اليوم.
ويشير المحللون الدوليون المعنيون بالملف اليمني أن خلف الأجندات الاقتصادية للإمارات في اليمن عامة، وتحديداً في ميناء عدن والمنطقة الحرة، دوائر وشركات كبرى عالمية، مدفوعة بقوى الاستعمار القديم لتنفيذ الأطماع الرأسمالية والاحتكارات العالمية الكبرى، مؤكدين أن الإمارات ستجد نفسها في نهاية المطاف مجرد أداة.
الأغرب في مسألة الأجندة الإماراتية وانكشاف ممارساتها الساعية للسيطرة على الموارد اليمنية -حسب المحللين- يكمن في صمت حكومة هادي في الرياض، ومحاولة إبداء اهتماماتها بالمنطقة الحرة من فترة زمنية إلى أخرى وبشكل مناسباتي لا أكثر، وهو ما نشأ على إثره تيار معارض بقوة لصمت حكومة هادي ومن داخلها، يعتبر صمتها وتقوقعها وعجزها دليلاً واضحاً على بيع السيادة والموارد النفطية والغازية، مقابل الإقامة في فنادق الرياض، في شرعنةٍ واضحة للحرب على البلاد.
الحرب أيضاً أتاحت الفرصة لإدارات المنطقة المتعاقبة منذ بدء الحرب في مارس 2015م لأن تحول أراضي المنطقة الحرة إلى مسرح لاستحداثات بنيوية عشوائية، والإخلال بمخطط المنطقة؛ إذ كشف تقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة في عدن -في يوليو 2019م- جملة من التصرفات غير القانونية مسَّت بمساحات واسعة من أراضي المنطقة الحرة، منها ما تقف وراءه إدارة المنطقة الحرة عدن نفسها، والهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني، ومنها ما تم بتوجيهات السلطة المحلية والقضاء، ومنها ما هو موصول بحالات بسطٍ وتعدٍّ من قِبل جهات وشخصيات عسكرية نافذة.
وأدان التقرير جميع الإدارات المتعاقبة على المنطقة الحرة بعدم الالتزام بتخصيص القطاعات لخلق مناطق متجانسة، ومشاريع ذات نسيج مترابط بغرض توفير الخدمات والبنى الأساسية الملائمة لها.. مؤكداً أن إدارات المنطقة الحرة ألغت ميزة اختصاص القطاع (المخصص) وفق قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 65 لسنة 1993م، لتطوير ميناء كالتكس وإيجاد أماكن للتخزين والتوسع، بالإضافة إلى خلق منطقة للصناعات الخفيفة وذلك من خلال الترخيص المكثف للمشاريع السكنية غير المسموح بالترخيص لها، متجاوزة بذلك تنبيه الجهاز باستمرارها في مخالفة القانون ما ترتب على ذلك استقطاع مساحات كبيرة.

شارك

تصنيفات: إقتصاد,الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير

وسوم: ,,,,,