(صحيفة الأيام) الفقر والغلاء يخليان شوارع عدن

حياتهم كارثية يعصرها الألم.. ما الذي تغيَّر من معيشة المواطنين؟
ما نراه من اكتظاظ في المراكز التجارية وفي الأسواق والمطاعم ليس مقياسًا للحكم بأن أوضاع المواطن ومعيشته مطمئنة اقتصاديًا ومعيشيًا؛ لأن ما تراه الأعين يبقى محصورًا على أماكن محددة وأشخاصًا محددين أيضًا من ذوي دخل أعلى نسبيًا من عامة الناس وهم قلة في أيامنا هذه، وبذلك تصبح نظرتنا للوضع المعيشي العام سطحية وغير مكتملة؛ لأننا نسقط ما نراه على الذين لا نراهم ولا نعرف أحوالهم المعيشية وكيف يعانون في تدبير قوتهم واحتياجاتهم المعاشية الأساسية جدًا، فمنهم من يبيت دون طعام ومنهم من يعتمد على وجبتين أو وجبة واحدة أو ممن يتلقون قوتهم من فاعلي الخير، أو نجد من يتسول لسد حاجته وحاجة أطفاله من قليل الطعام، منهم من تجلسه عفة نفسه في بيته يتضور جوعًا.
وما نشاهده في الأسواق شيئًا طبيعيًا باعتبارهم شريحة بسيطة وهي من تحرك ما تبقى من عملية البيع والشراء في الأسواق، وهم أيضًا قد تضرروا جراء التدهور الاقتصادي العام في البلاد، فمن كان يخرج ليتسوق بعشرين ألفًا أصبح الآن يتسوق بعشرة أو أقل، وإذا استمر الحال على ما هو عليه من سيء إلى أسوأ فأن هذه الشريحة هي أيضًا قد تتحول قريبًا إلى شريحة محدودي الدخل، ومن هو الآن في شريحة محدودي الدخل لن يلبث أن يدخل مع شريحة الفقراء، وهو ما يعني أن القوة الشرائية في تهاوي وربما قريبًا تتوقف عجلة الاقتصاد الضعيفة والمتهالكة أصلًا لتضاءل عملية البيع والشراء وهو ما ينذر بكساد اقتصادي عظيم يصعب الخروج منه.
المتابع لحال المواطن البسيط، يتحسر على أوضاعه، فهو لا يستطيع شراء قوته الضروري، ويعاني الغلاء في الغذاء والدواء والمسكن والملبس والتعليم وكل مناحي الحياة الأساسية الأخرى، ولا يستطيع أن يعمل شيئًا، فالمتقاعد معاشه لا يسد الرمق ولا نبالغ إن قلنا إن وجوده كعدمه، وكذا معاناة بقية الموظفين الذين أصبحت رواتبهم في تراجع شرائي قوي بسبب تدهور صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية التي تتم بها كافة المعاملات التجارية، وهنا يتساءل المواطن أين دور الحكومة وأجهزتها في هذا كله؟
كيف لموظف أن يقوم بأداء وظيفته بتفانٍ بينما هو يستلم راتبًا هزيلًا ويعاني من صعوبات هائلة، صعوبات في تلبية احتياجاته الأساسية، ومنهم من يتحصل على راتب متدنٍ خاصة من المتقاعدين القدامى الذي لا يتجاوز أحيانًا 30 ألف ريال، وهي تعادل بالضبط قيمة علبة حليب (نيدو)، كيف يتدبرون أحوالهم في ظل هذه الأوضاع المتدهورة، وغالبية رواتب موظفي الدولة لا تتعدى الـ 50 – 70 ألف ريال يمني، وحتى يبقون مداومين في عملهم طيلة الشهر يجدون صعوبة في توفير قيمة المواصلات التي تبتلع أكثر من نصف راتبهم، فهل تكفي في توفير احتياجات أسرهم الأساسية، فلو حسبت صرفيتهم ستجدها لا تفي بقيمة كيس سكر وزن 50 كيلو، وإذا سألتهم كيف يتدبرون شؤونهم فأنهم يجيبون بحسرة حياتنا كارثية يعصرها الألم.
كيف لمعلم أجيال متقاعد أفنى عمره في التدريس بكل طاقته أن يوفر قيمة أحد الأدوية التي يداوم على تناولها طيلة ما تبقى من عمره بينما راتبه التقاعدي لا يفي باحتياجاته كإنسان خدم وقدم للوطن أجمل أيام عمره، وكذا الطبيب أو الممرض الذي قعد بالبيت بعد خدمة طويلة في أروقة المشافي الحكومية إذا ألمَّ به مرض خبيث يقف عاجزًا عن توفير تذكرة الطيران وقيمة العلاج بالخارج؛ لأنه يعلم مدى الذل والهوان الذي سيواجهه عند المطالبة بحقه.
كما برزت ظاهرة التعامل بالعملات الأجنبية في الأسواق وحتى في إيجارات العقارات، وهذه الظاهرة صدمت المواطن البسيط المستأجر من صاحب البيت عند مطالبته بسداد إيجار منزله بالعملة الأجنبية بينما ما يتقاضاه من أجرة بالعملة المحلية لا يغطي حتى نصف القيمة التي يطالبها المؤجر فيضطر للخروج إلى الشارع.
تغيَّرت أنماط المعيشة لدى الكثيرين من الناس من خلال لجوئهم إلى التقشف الحاد، فيضطرون إلى تقليص شرائهم للمواد الغذائية والخضروات وامتناعهم عن شراء اللحوم والأسماك إلا بالحدود الدنيا، كما قلت تنقلاتهم، بينما آخرون دفعتهم الظروف إلى تقليص وجبات تناولهم للطعام كونهم لا يستطيعون توفيرها، كما ازداد أعداد المتسولين في الشوارع الذين أصبحوا هم بدورهم لا يجدون من يمن عليهم بفتات المال، وإذا ما بحثنا في منازل العائلات العفيفة سنرى بأن توفير الغذاء والدواء بات حلمًا يصارعون من أجله، فكثير من الأسر قامت بإخراج أولادها من المدارس حتى من المدارس الحكومية المجانية؛ لأنها لا تستطيع الإيفاء بمصاريف الدراسة، ويواجهون صعوبات كثيرة تحول دون مواصلتهم للدراسة نتيجة لهذه الأوضاع المتدهورة.
يعلق الكاتب ياسر الأعسم، على حالة تردي الأوضاع في البلاد، لـ”الأيام”: “عندما تذل الحاجة النفوس العزيزة وتجبرهم على الاستجداء بالأزقة والبحث عن طعامهم بالقمامة، عندها يجب على المسؤولين أن يعلموا بأن حسبتهم خاطئة وقسمتهم ضيزى، وبالتالي، لا يكون خروج الناس إلى الشوارع تمردًا أو مؤامرة”.
يقول محمد علي، عامل بناء، إنه يعمل مع مقاولين لكن مع ارتفاع أسعار مواد البناء أثر على حركة العمل، وأدى إلى حالة من الركود، مؤكدًا أنه يقضي يومه دون عمل منتظرًا من يطلبه للعمل، وأنه يستدين لتلبية احتياجات أسرته، الأمر ذاته، يؤكده المتقاعد التربوي نبيل أنعم، الذي يعتمد على معاشه الذي لا يتجاوز 52 دولارًا، يقول: “جميعنا يشكو من ارتفاع الأسعار من يوم لآخر، وفي ازدياد بشكل مخيف”. مشيرًا إلى أن “بعض التجار يرفعون الأسعار بمزاجهم، حيث لا توجد رقابة ولا حسيب عليهم، بينما الراتب والمعاش ثابت كما هو، ولا يفي لتلبية احتياجاتنا الضرورية، ولا يصمد لمدة أيام فقط من الشهر، إذ وصل قيمة قرص (العيش – الروتي) إلى 50 ريالًا، ووصل الكيلو السمك إلى 6 آلاف ريال، وسعر كيلو الطماطم وصل إلى ألفي ريال، ماذا نأكل؟ أصبح الراتب كما هو معتاد لا يسد الرمق، ومن لديه أولاد كثيرون لا يعرف كيف يشبع جوعهم ويعالج مرضهم؟ تخيل من لديه أسرة مكونة من 6 أفراد، تتناول العيش – الروتي فقط في الثلاث الوجبات، روتي فقط بلا شاي، الفرد له في كل وجبة 3 أقراص، يعني كل فرد له 9 أقراص في اليوم يعني 54 قرصًا للستة الأفراد في اليوم وسعر القرص حاليًا = 50 ريالًا يعني 2700 ريال في اليوم، وإجمالي الشهر 81000 واحد وثمانون ألف ريال فقط روتي من دون شاي، كذلك الأدوية غالية وغالية جدًا أحيانًا، والمواد الغذائية من زيت الطبخ والأرز والطحين والسكر وهي من احتياجاتنا الضرورية في ارتفاع جنوني، إلى متى سنستمر في هذه المعاناة؟ فأوضاعنا تسير نحو المجهول وتهدد بكارثة في حال استمرار الوضع على ما هو عليه دون إيجاد حلول سريعة”.
ويتابع أنعم “اليوم الموارد لا نعرف أين تذهب، هناك موارد من البترول والغاز والميناء والجمارك والضرائب كل تلك العائدات لا نعرف أين تذهب؟ هل الحكومة تحارب الشعب؟ عندما يصل إلى هذا المستوى، فهل من مجيب أو مغيث؟”.
فيما عدد من ملاك البقالات يوضحون في أحاديث متفرقة لـ”الأيام” إزاء ما يحدث من تدهور وانهيار للعملة وتأثيره على حركة الشراء، إذ أكدوا بأن إقبال المواطنين على شراء المواد الغذائية انخفض كثيرًا مقارنة بالأشهر الماضية، وبقوا مكتفين بشراء حاجاتهم الضرورية والأساسية، ولم يعودوا يشترون مختلف السلع، ومن جانبنا قلصنا كميات شراء البضائع من تجار الجملة فأبقينا على السلع الضرورية.
ويشكوا أصحاب البقالات بسبب انهيار العملة بأنهم يتعرضون لضربات متتالية عند شرائهم البضائع من سوق الجملة ويدخلون في إحراجات دائمة مع الزبائن، وبعضهم يتهمونهم بالجشع، مؤكدين بأن تدهور العملة قد يؤدي إلى خسارتهم ويجبرهم على تقليص شراء البضائع، بعض تجار الجملة اليوم لا يعطونهم البضائع بالعملة المحلية ويفرضون عليهم الشراء بالريال السعودي بينما المواطن يشتري بالريال اليمني الذي يتدهور يومًا بعد يوم تقريبًا، فيصبح ما يتقاضاه مالك البقالة آخر الشهر لا يفي بقيمة نفس البضاعة عند شراءها بالريال السعودي.
ونوه بعض أصحاب البقالات بأنهم أوقفوا تعاملهم مع المشترين بالحساب الآجل كما هي العادة عند معظم البقالات، وذلك بسبب التأخر في السداد مع تدهور العملة المحلية، وهو ما ينذر بالفعل بقدوم كساد اقتصادي قد يقضي على ما تبقى من طعام بسيط في أفواه الغالبية العظمى من الناس.

 

الخبر من المصدر

شارك

تصنيفات: نقلا عن