(السفير العربي ) ألم “يمني” فوق جسر النيل

نصف مليون يمني، من الناس العاديين “عالقون” في مصر دون محل ثابت أو حلم نابت، وهي البلد الذي لطالما اعتبروه نفس وطنهم. جاء أغلبهم بعد انهيار أوضاع بلدهم للعلاج من أمراض أو إصابات حربية، وتلقوا معاملة طيبة، إلا أنها لا تفي بحاجاتهم بحكم محدودية الإمكانات، والبيروقراطية، وكمٍّ مهول من المعوقات…
أنت -دونما مال وعلم وصحة- غريب في وطنك، فما بالك إن كنت فقدتَ الوطن على حين غرة؟ وحين توجهتَ هارباً باتجاه بلدٍ لطالما اعتبره أهلك نفس وطنك، فوجئتَ أن الحرب قد سبقتك إلى هناك ووضعتْ بصمتها على ملفك.
إنه حال ما يقارب نصف مليون يمني في مصر، هذا بعدما تأخذ في الاعتبار متوسط فوضى الأرقام حول أعداد اليمنيين فيها، وتطرح من هذه الحسبة رجال الأعمال وحاملي الجوازات الدبلوماسية، فيتبقى لك الأصل، “ملح الأرض” الذي يضم كل الفئات العاملة، الطبيب والحرفي، الرجل والمرأة، السليم والجريح، المسالِم والمطارَد، الآمل بالعودة والراغب في الانطلاق نحو الغرب.
إنهم اليمنيون “العاديون”، مثل قضيتهم، “عالقون” دون محل ثابت أو حلم نابت، في “مصر” التي هي عندهم كما أخبرتني واحدة منهم “لا تُقارَن بغيرها”. فعلى الرغم من أي موانع تمّ فرضها عقب الحرب، وعلى الرغم من أي ظروف معيشية طاحنة يعيشها الوافد (كما أهلها)، وعلى الرغم من السياسات الملاحِقة للحريات والخوف، إلا أنها لا تزال هي الاختيار الأسلم.
ولكن ماذا عندما يدب الألم بالجسد، مرضاً أو إثر حرب؟ إنه الاختبار الأكبر.

آلام أنس .. وآمال “أُلفت”
وجعان يلتقيان على أعتاب المستشفيات، طفل وامرأة وأحباء يلاحقهم في الغربة المرض اللعين، “السرطان”. “ألفت” هي أم لطفل جميل يدعى “تيم”، ابنة “البلاد” كما يُطلقون على الريف في اليمن، أرض خضراء، بشر بسطاء، يملؤون مياههم من النبع، يطعمون خرافهم الحشائش، فمن أين داهم السرطان وجه هذه الشابة وهي في مقتبل العمر. ومن أين داهمت البلاد الحرب؟
نتيجة تدخل طبي خاطئ، تورم وجهها بشكل مؤذٍ. وعقب اكتشاف المرض والتوصل للتشخيص الصحيح، كانت مدينة “تعز” تستقبل مأساتها، وقد تحولت لساحة مواجهة. “سافِروا إلى مصر”، كانت نصيحة الطبيب، وعليه كانت محاولتهم لجمع النذر القليل الذي لديها وزوجها باتجاه الرحيل.
من تفاصيل قصة مشابهة على حدود ميناء الحُديدة، جاء معلم اللغة الإنجليزية “سلمان” إلى القاهرة قبل عامين، يحمل تحت إبطه نتائج الفحوصات الطبية الخطيرة، وباليد الأخرى يمسك كف “أنس” ابن العاشرة. كان ذا بنية جسمانية مميزة، وغزو مرضي طارئ بالمخ.
سجّله الوالد في مدرسة يمنية خاصة حيث حصل هو الآخر على فرصة عمل، قال الطبيب اليمني “ورم خبيث”، وقال أول طبيب مصري فحصه “التهاب فيروسي حاد”. وما بين تضارب التشخيصين مرت الأوجاع بجسد الطفل وقلب والديه لمدة عامين.
وصل “مهيب”، زوج ألفت إلى القاهرة، حصلا على شقة سكنية بمنطقة شعبية لا يعرف ساكنوها إلا الأزقة الضيقة، انحشروا وسطهم وتقبلوهم، وبدأت الرحلة.
بمساعدة البعض، حصل “مهيب” كما “سلمان” على عمل سريع، مصحِّح لغوي في دار نشر يمنية قديمة بالقاهرة. التقيا أمام بوابة “مفوضية اللاجئين” واتفقا على هدفهما: “الحق في العلاج”.
يحكي “مهيب” بدلاً عن زوجته التي فقدت النطق نسبياً: “بعد عدة زيارات إلى مقر المفوضية بمدينة 6 أكتوبر، استطعتُ تسجيل أسرتي، وبناءً عليه حصلنا على مساعدة شهرية قيمتها 700 جنيه، ومساعدة طبية تركزت على دعم العلاج الكيميائي في أحد المستشفيات، وهي كلفة باهظة بالتأكيد. لكن التكلفة الأكبر بدأت بعد ذلك، فاستئصال ورم من الوجه أدى إلى تشويه شديد وأثّر على النطق بشكل كامل، وأدى إلى إغماض العين اليمنى. عندها تمّ تحويلنا إلى مستشفى جامعي حكومي مصري، حصلنا على المساعدات الأولى والتشخيص الصحيح، لكننا لم نحصل على حق الإجراء المجاني للجراحة، وأخبرتنا المفوضية أنها لا تستطيع تحمل هذه التكلفة.
يكمل: “فقدنا الأمل، وكنت بانتظار ارتداد المرض مرة أخرى، إلى أن تواصل معنا بعض الشباب اليمني المتطوع بالعمل الأهلي وعرض حالة زوجتي على رجال أعمال تكفلوا بالمصاريف”.
أما “سلمان” فلم يعد من الممكن أن نسمعه بشكل مستفيض، فقد فارقته آماله لحظة مفارقة الألم جسد أنس، بالموت.
رحل الابن ولم يرحل ألم الأب، لا يزال أسير تفاصيل التجربة. فالرجل الأربعيني الحاصل على درجة الماجستير، المدرِّس، ابن الأسرة الميسورة وصاحب مركز تدريب خاص على المهارات واللغة الإنجليزية في بلدته، لم يكن ليتخيل أن الأمور ستؤول به إلى هذه اللحظة أبداً.
خاض مع المبنى المانح للبطاقات الصفراء (مفوضية اللاجئين) تجربة وصفها بالسيئة، المعيقة، غير المتفهمة. حدث التشخيص الخاطئ في رأيه، فور الوصول إلى مصر، بسبب تحويله إلى طبيب غير متخصص. تردد بعدها على عدد من الأطباء المصريين على نفقته الخاصة وزادت البلبلة، ومعها أخذت صحة “أنس” في التدهور. ارتخت جفونه ثم فقد جزءاً من وزنه، لم يعد يستطيع المشي بشكل طبيعي، ولا يستطيع ابتلاع الطعام، ثم دخل إلى مراحل الغيبوبة المتكررة.
خلال ذلك حصل على تقرير رسمي من مستشفى مصري جامعي بضرورة سفر الطفل إلى الخارج. كان يعرف أن فرصته للحصول على هذه التأشيرة عبر الحكومة المصرية شبه مستحيلة، وكانت صدمته أن لا سبيل إلى ذلك من خلال مفوضية اللاجئين، وما يتبعها من مؤسسات طبية مثل save the children أو أي من المؤسسات الدولية الداعمة. سألهم الرجل غاضباً في إحدى المرات: لماذا لا تقدمون لي مساعدة حقيقية، أجابوا: “محدودية الإمكانات”، قال: “تأذيت من تشكيككم في عدم استحقاقي وغيري من اليمنيين للسفر إلى الخارج، لم أكن أريده ولم أفكر به يوماً، كنت سأوافق لو أخذوا الولد وحيداً إلى هذه الرحلة وحصل على حقه الإنساني في العلاج”.
امتد به الوقت، ساعدته المفوضية مرات في إسعاف الطفل بعد نوبات الألم الشديد ونقله لمستشفى خاص. وفي المرة الأخيرة امتنعوا، فاضطر إلى حمل ابنه فاقداً وعيه إلى مستشفى خاص على حسابه. لم يحتمل المصاريف لكن أراد له الله بازغة أمل. أفاق الولد فساعده طبيب مصري على إدخاله مستشفى حكومي وإجراء جراحة عاجلة مع عودة للتشخيص القديم.
الطفل مصاب بسرطان بحالة متقدمة تحتاج إلى تلقٍ عاجل للعلاج، لكن لا شيء عاجل في ظل بيروقراطية حكومتين ومفوضية معنية بالنازحين. بالمعهد القومي لعلاج مرضى السرطان في مصر، أخبروه أنهم لن يستطيعوا منحه العلاج الكيميائي مجاناً لارتفاع كلفته بحالات المخ.
مرّ شهرٌ كامل بلا أي علاج، فاختار “أنس” رفع العناء عن والديه بالرحيل.

جرحى خراب الوطن
تنتقل القصص من حاملي “البطاقات الصفراء” إلى معلِّقي “شارات الحرب”. وهذا كان لقاءً مع وجه آخر للألم، مع من جُرِحوا خلال المعارك.
شباب عفي بحماسة لا تزال متقدة وهيئة ناقصة. فإما ذراع أو قدم مفتقَدة أو عينٌ فرت من مكانها. وبدلاً من ارتكان آلات موسيقية أو دراجات على الجدار، كان العكاز والكرسي المتحرك، فلا رفاه يسمح بطرف صناعي.
استقبلت مصر، وفق التصريحات الرسمية، ما يزيد عن خمسة آلاف جريح يمني، جاء بعضهم عبر الهلال الأحمر الإماراتي، وهؤلاء لاقوا رعاية صحية فائقة الجودة وكذلك خدمات فندقية. أما الجزء الأكبر فتوافد عبر اللجنة الرسمية لرعاية الجرحى في اليمن، ففرعها بالقاهرة هو المسؤول عن استقبال الجرحى وإسكانهم وصرف معاش شهري لهم، ثم تبدأ المتابعة الطبية.
وفي الشقة السكنية البسيطة بحي الدقي الهادئ القديم في القاهرة، التقطنا صورة حقيقية للأوضاع على الأرض.
بالصمت والزهد الذي يواجه به كل متألم الكاميرات، قال لنا “خَطّاب”: “نريد لبناً وخبزاً وعلاجاً ونرجع لمزارعنا في البلاد، أيها السياسيون في كل مكان، اتركوا لنا الله وخذوا موائده”.
عشرات الشكاوى التي يدلل الألم على الاحتمالية الكبيرة لصحتها. ويمكن حصرها في عدة نقاط، هي تأخر بدء العلاج، اعتماد قائمة أطباء محدودة تشوبها تهمة المحاباة مما تسبب بحالات إهمال وأخطاء طبية كارثية، شبهة فساد حول الاستفادة من فروق الأسعار في قوائم الدواء عبر اعتماد صيدليات محددة تمنح العلاج بأسعار مخالفة لتلك المعتمدة في الأسواق.
لا يزال “خطاب” يحتفظ بساقه بعد الإصابة، وهو محظوظٌ في ذلك على الرغم من العرج الواضح، إذ لم ينل “عمر” و”بلال” و”محمد” مثل هذا الحظ. بَترت قذيفة ساق “عمر” اليسرى وأصابت اليمنى بتهتك شديد، عاد إلى قريته دون تلقي علاج مما أصاب ساقه بالتصلب، ولم يتلقَ رداً على طلبه للسفر من أجل العلاج إلا بعد سبعة أشهر. وصل القاهرة في فبراير الماضي يملؤه الأمل، ولكن تكررت المأساة: فهو يقضي الآن شهره السادس في القاهرة دون تلقي أي علاج. يقول: “أصابني الاكتئاب ومرض السكري، ذهبت ساقي الأولى فداء الوطن أما الثانية فضحية القيادة والأحزاب، أقول هذا لنفسي كل صباح وأفكر جدياً في إلقاء نفسي في مياه النيل”.
ومن التصلب للتقيح الشديد، تأتي قصة “بلال” الذي خضع داخل القاهرة لأربع عمليات تركيب صفائح ومسامير، لم تتم متابعتها بالشكل الصحيح. التقيح يهدد ببتر الساق أو بتسمم في الدم. يطالب الشاب بإحالة مسؤولي اللجنة بالقاهرة للتحقيق بسب فساد اختيار المعالجين، قال: “شوهوا سمعة الأطباء المصريين التي نسمع عنها دوماً في بلادنا بسبب اختيار قائمة الأطباء الأرخص سعراً والخاضعة للحسابات والمحاباة”.
“محمد” هو الآخر خضع لعملية تصحيح بتر ولكنها جاءت على يد طبيبة نساء وتجميل صدر وأرداف، مما عرّضه لمضاعفات شديدة على مدار ستة أشهر قبل أن يقوم أخوه بالضغط من أجل تغيير الطبيب الذي قام بعمل جيد، ولكنه أخبرهم أنه “فقد فرصة تركيب طرف صناعي بسبب العمليات المتتالية”.
بكى “أمين” وهو يشير إلى عينه الصناعية الجاحظة بشكل لافت وغريب، وغير المشابهة لعينه الأخرى، قال: حين رآني ولدي عبر الهاتف صرخ: “الوحش”.
لا يريد “عمار” انتظار تكرار هذه المآسي، قرر أن يعود إلى بلده دون تلقي علاج، ولكنه حين توجه لمكتب السفر قالوا له أن تذكرته للقدوم فقط. وأنه غير مسموح له بالعودة إلا بعد دفع غرامة تصل إلى 300 دولار.
أربعون جريحاً بأربعين قصة بينما مر عليهم أربعون يوماً عند كتابة هذه السطور دون أن يتلقوا أي أموال للإعاشة، يأكلون “الكُشري” كما يقولون (أكلة شعبية مصرية)، وهذا بعد أن أعلنت اللجنة الطبية العسكرية الخاصة بجرحى الجيش الوطني في مأرب، تعليق عملها وإعادة الجرحى من دولة مصر العربية، بسبب عدم التزام الحكومة بدفع ميزانية اللجنة. وقالت في بيانها، أنها قررت إعادة جميع الجرحى من مصر إلى أرض الوطن “على الوضع الذي هم عليه”.
حاولتُ التواصل مع فرع اللجنة بالقاهرة، والملحق الصحافي بالسفارة اليمنية، لكننا لم نتلق رداً من أي منهما.

شارك

تصنيفات: متابعات