عفيف السيد عبدالله يكتب / بنك مركزي طال حُمقه

تُعتبر العملات أهم مقياس أساسي في التعاملات الاقتصادية العالمية بين الدول، لما لها من أهمية قصوى في عمليات التبادل التجاري، في داخل البلاد ومع الخارج. وتخضع العملات المحلية والأجنبية -كسائر السلع الأخرى- لقانون العرض والطلب، فترتفع وتنخفض أسعارها حسب المعروض منها والطلب عليها، ويُسمى ذلك بسعر السوق، وهو السعر الاقتصادي للبضائع والخدمات في السوق، ويُقال عنه أيضاً السعر العادل.
ويتعارض سعر السوق مع رغبة البنك المركزي في تحديد سعر جبري للدولار الأمريكي والريال السعودي، ومنع محلات الصرافة من بيع وشراء العملات الأجنبية، حيث يؤدي السعر الجبري إلى زيادة سيطرة الحكومة على السوق، التي تترتب عليها زيادة الاختلالات الأساسية في الاقتصاد، وفي التوازن الاقتصادي العام، وإلى سوء تخصيص، وعدم الكفاءة، في استخدام الموارد، وتقلص الواردات من السلع والخدمات، وإساءة وضع ميزان المدفوعات، كما هو حاصل الآن.
وإلى وقت قريب، كان هناك نحو خمسة أسعار مُتعددة للدولار، منها سعر الدولار الجمركي لحساب الرسوم الجمركية على الواردات، والدولار الحكومي للمدفوعات والتحويلات الحكومية إلى الخارج، وسعر الدولار في السوق الموازية.
ومن المؤكَّد أن وجود أسعار مختلفة لنفس العملة يؤدي إلى تشوهات أسعار السلع وحسابات التكاليف، ونفور المستثمرين، ومن ثم تراجع تدفقات الاستثمار المباشر.
والسعر الجبري خطير الشأن، وخاصة عندنا، إذ تُمثِّل تحويلات مُغتربينا في الخارج إلى أُسرهم في الداخل نسبة كبيرة جداً من تدفقات العملات الأجنبية للبلاد، وتُعتبر عنصراً هاماً في دعم اقتصاد البلد، حيث تعادل نسبة كبيرة من الناتج المحلي. والفارق بين السعرين، الجبري وسعر السوق، التي تأخذه الحكومة من المغتربين، خفية على غير وجه حق، له تأثيره المباشر والواضح على تحويلات المغتربين من الخارج، حيث تتراجع بنسب كبيرة، مما يؤثر على الأوضاع المالية لعائلاتهم في الداخل، وتتردى نوعية الحياة بالنسبة لكثير منهم.
والثابت، أن زيادة الطلب على الدولار وصعوده، وتراجع وانهيار قيمة الريال، يؤدي إلى ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات، كما يترتب عليه مباشرة انخفاض القوة الشرائية لمداخيل الناس من الأجور والمرتبات، حتى تصبح لا تكفي تغطية حاجاتها الأساسية من السلع الاستهلاكية والخدمات الضرورية.
وأمر مُسلَّم به، أن الاعتماد على الوديعة السعودية يضع الدولة في خطر إفلاسها عند اختفاء الوديعة، أو عدم قدرتها على تغطية الواردات الأساسية، كما يزيد عجز ميزان المدفوعات سوءاً.
ومن الأسباب الحقيقية القائمة الآن، وراء انخفاض قيمة الريال وارتفاع قيمة الدولار وباقي العملات الأجنبية؛ هو تراجع تحويلات المغتربين، والإفراط في طباعة العملة دون رصيد، بدون أن يتوفر في مقابلها وما يعادل قيمتها سلع وخدمات إضافية، والفساد الاقتصادي والمالي، المتمثل في سوء استخدام الحكومة لأرصدة الجهاز المصرفي من العملات الأجنبية، بسبب تعدُّد وكثرة البعثات الدبلوماسية في الخارج، التي لا حاجة لها على الإطلاق، وكذا التعيينات الجديدة التي لا تتوقف في السلك الدبلوماسي، من أقارب المسؤولين والحاشية، والسفه في الإنفاق عليها (بالعملة الأجنبية)، والمبالغة في أحجام مرتبات وعلاوات ومكافآت وبدلات الوزراء وكبار المسؤولين، بالعملة الأجنبية في الداخل والخارج، والفساد البيِّن في تعاقدات شراء الطاقة الكهربائية المؤجَّرة بأسعار خيالية مزيفة، وتسديدها بالدولار، إلى جانب توقُّف تدفقات المساعدات والتمويل الخارجي لمشاريع التنمية.
وفي الأزمات المالية، يكون السلام مُحبَّباً لإعادة الاستقرار الاقتصادي للبلاد، وإجراء التصحيحات الهيكلية اللازمة، وفي الأمد القصير، ينبغي على الحكومة أن تتصرف بعقلانية وشفافية، وبالاستعانة بالكوادر الوطنية الشريفة والكفؤة، بإجراء بعض التصحيحات العاجلة، ومنها، تعبئة الموارد المحلية وترشيد نفقات الدولة من العملات المحلية والأجنبية على أساس احتياجات المجتمع المدني الأساسية، وتوقف النفقات السياسية المُزيَّفة وكذا السفه في الإنفاق على السفر والاستعراضات والاحتفالات والبهرجة والإكراميات والعطايا والبدخ الممجوج، ومن المهم جداً خضوع كل التصرفات المالية لمختلف قطاعات الملكية الحكومية والعام والمختلط للفحص والرقابة والمساءلة.
وفي المدى المتوسط والطويل، على الحكومة استهداف التنمية الاقتصادية والبشرية، والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، وإجراء التصحيحات الهيكلية المطلوبة، وتوسيع برامج المظلة الاجتماعية لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة.

شارك

تصنيفات: رأي