صلاح السقلدي يكتب / أمريكا واليمن.. قرار ما قبل الـ48 ساعة الترامبية الأخيرة

لا يمكن فهم عزم وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الحركة أنصار الله الحوثية باليمن بالحركة الإرهابية اعتباراً من يوم 19 يناير الجاري؛ إلّا بأنه محاولة من إدارة (ترامب) لوضع مزيد من العراقيل أمام إدارة الرئيس القادم (بايدن) بما يتعلق بتعاطي هذا الأخير مع القضايا الساخنة بالشرق الأوسط، ومع إيران وحلفائها بالمنطقة ومنهم حركة أنصار الله الحوثيين باليمن. وإلّا ماذا يعني أن يتأخر هذا التصنيف إلى ما قبل مغادرة ترامب بــ48 ساعة؟ فقرار الولايات المتحدة، التي هي أصلاً في حالة حرب مع الحركة الحوثية وتشارك فيها مشاركة لوجستية وعملياتية ومعلوماتية بحسب إقرار أمريكا نفسها؛ بتصنيف هذه الحركة بالإرهابية لا يمكن أن يسبب ضرراً مباشراً ولا غير مباشر بهذه الحركة، فمصالح الحركة مع واشنطن منعدمة تماماً، بحكم حالة الحرب بينهما فضلاً عن الخصومة بينهما على خلفية صراع واشنطن مع طهران، هذا ناهيك عن أن هذه الحركة هي في الأصل محاصرة منذ ست سنوات. وإلّا لكانت إدارة ترامب أقدمت على هذا القرار منذ اليوم الأول لحكمها. إن كان هذا القرار سيحقق لها ما تقوله اليوم من أهداف.
-فإدارة ترامب ووزير خارجيته بومبيو تعرف موقف الرئيس بايدن المعارض للحرب باليمن ومن تصريحاته التي تتحدث عن نيته لوقف هذه الحرب، ومن علاقته المضطربة مع السعودية التي يتوعد بنبذها بسبب ما يعتبره انتهاكاً لحقوق الإنسان تقوم به المملكة بحق معارضيها، ولهذا فالرئيس ترامب ووزير خارجيته الخصم اللدود لإيران يحاولان أن يجعلا الوضع باليمن أمام الرئيس بادين أكثر تعقيداً وصعوبة عن الحل، ليس فقط لإطالة أمد هذه الحرب التي مثلت لترامب وإدارته سوق سلاح رائجة، بل ليضاعف ذلك من صعوبة تعاطي بايدن مع الشأن الإيراني وحلفائها بالمنطقة إنفاذاً للمصلحة الإسرائيلية بدرجة أساسية..
-فهذا القرار الذي لم يحظ سوى بمباركة السعودية والحكومة اليمنية الموالية لها والإمارات العربية وجد معارضة كبيرة من كثير من الجهات، ليس فقط من خارج أمريكا بل من داخلها، ومن داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث قال السناتور الجمهوري تود يونغ: “تحرك بومبيو سيزيد من زعزعة استقرار دولة مزقتها الحرب، وسيمنع جماعات الإغاثة من تقديم المساعدات الحيوية، وأتطلع إلى العمل مع الرئيس المنتخب بايدن وفريقه لإلغاء هذا القرار المضلل”.
-من جانبهم اعتبر مُشرِّعون أمريكيون من الحزب الديمقراطي -حزب الرئيس المنتخب بايدن- أن الإقدام على هذه الخطوة قد يقوِّض أعمال الإغاثة الإنسانية، وكذلك الجهود الرامية للتوصل إلى حل سلمي في اليمن، وأن من شأن هذا القرار الذي طالبوا بعدم إقراره أن يعيق أطرافاً خارجية عن التعامل مع السلطات الحوثية، مما قد يحول دون وصول تحويلات بنكية، ويعيق عمليات شراء مواد غذائية ووقود، وذلك خوفاً من الملاحقة الأمريكية.
من جهته، ولذات المخاوف قال الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، يان إغلاند، في نوفمبر/تشرين الثاني: “يجب أن نكون قادرين على التفاوض مع كل الأطراف في كل الصراعات بشأن وصول مساعداتنا وحماية المدنيين. عملُنا الإنساني لا يجب تجريمه”.
-السعودية من جانبها قالت مبتهجة بهذه القرار “إنه سيجعل الحوثيين يذهبون إلى طاولة التفاوض مع التحالف الذي تقوده ومع الحكومة التي تدعمها”. لا نعرف كيف سيحاور هؤلاء حركة يقولون إنها إرهابية؟ كما لا نعلم ما الذي سيجعل هذا القرار الحوثيين يذهبون إلى التفاوض -طبعاً على افتراض أن هؤلاء الأخيرين وحدهم من يرفض التفاوض- وهو لا يشكل أية مساس بمصالحهم، ولا يغير شيئاً على أرض المعركة. إن كان ثمة مكسب تحققه السعودية وحلفاؤها من هذا القرار فهو مكسب معنوي لا غير، حيث إن السعودية وحلفاءها بحاجة إلى صخب إعلامي بوجه الحوثيين يرفع من شأن معنويات مقاتلي الحكومة الموالية لها بالجبهات بعد سلسلة الانكسار التي تعرضت لها بالأشهر الماضية.
-من جانبهم الحوثيون سيجعلون من هذا القرار الأمريكي دليلاً على صحة ما يقولونه منذ بداية الحرب من أنهم يخوضون حرباً بالأساس مع أمريكا ومع وإسرائيل وليس فقط مع عملائهم، وبأنها حرب يمنية صهيوأمريكية، فمجرد أن يأتي هذه القرار من الدولة التي منحت القدس والجولان لإسرائيل، فهذا يعني -وفقاً للتأكيد الحوثي- بأن الحرب يمينة أمريكية صهيونية وليس فقط مع المرتزقة. وهو الأمر الذي من شأنه أن يزيد من الالتفاف الشعبي اليمني حول هذه الحركة ويفاقم لدى الشارع اليمني في الشمال اليمني من حالة العداوة للحكومة اليمنية المُتَّهَمة بالخيانة والعمالة للسعودية وللصهاينة والأمريكان. فمن حسن حظ الحركة الحوثية أنها خصم لإدارة أمريكية أجمع العالم كله على عنصريتها تجاه كل ما هو عربي، أجمع على جنونها وطيش تصرفاتها وتصرفات رئيسها الهائج بكل أصقاع العالم وبالداخل الأمريكي أيضاً، كما أنه من سوء طالع السعودية والحكومة اليمنية الموالية لها أن يكونا حليفين لرئيس أمريكي مضطرب الحال غريب الأطوار في تصرفاته وفي قراراته، أناني جشع لا يُقيم وزناً لحلفائه العرب.
-على كل حال لسنا متيقنين من المستفيد أيضاً مَن هكذا قرار، لكننا نعلم جيداً مَن المُتضرر منه. المتضرر الرئيس هم الملايين من الجياع والمرضى والجرحى الذين أضحوا بعد ست سنوات حرب مدمرة إلى مسيس الحاجة لوصول قوافل الغذاء والدواء بعد أن يسود الخوف منظمات الإغاثة جرّاء العقوبات المترتبة على أي تحدٍّ لهذا القرار، ليس فقط في المحافظات التي يسيطر عليها الحوثيون بل بكل المحافظات الأخرى، خصوصاً إذا ما عرفنا أن ثمة مناطق متقاربة بشمال البلاد تتقاسم السيطرة عليها الحركة الحوثية وخصومها بالحكومة المسنودة من السعودية وتتشارك هذه المناطق الغذاء والدواء وسائر الخدمات، وبالتالي فمن الصعوبة بمكان القول إن الضرر يقتصر على جهة أو أخرى، كما أن من شأن هذا القرار أن يعرقل الجهود الأممية الساعية إلى جمع الفرقاء فوق طاولة تسوية سياسية لوقف الحرب وإحلال السلام تقودها الأمم المتحدة عبر ممثلها السيد (مارتن جريفيت).

شارك

تصنيفات: رأي