عدي الحميري يكتب \ هل ينتهي الانقسام المالي بالعودة إلى صنعاء؟

يتعيّن على المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، أن يُصدر بياناً يتضمن نية منظمته الأممية رعاية عقد مشاورات تكميلية تتعلق بالملف الاقتصادي في اليمن.. الملف الذي لا تزال تستخدمه أطرافٌ مختلفة كسلاح حرب ضد ملايين اليمنيين.
ولأكثر من أسبوع، تتواتر الأنباء عن مشاورات مُرتقبة ترعاها الأمم المتحدة في العاصمة العُمانية مسقط بين الفريق المُفاوِض عن حكومة الإنقاذ بصنعاء وفريق حكومة هادي المسنودة من دول التحالف، لكنّ هذه الأنباء تخلو من أي تأكيدات رسمية من الجانب الأممي حتى الآن.
ويُراد من المشاورات المُرتقبة وضع حلول لمشكلة الانقسام المالي الذي تسببت فيه إجراءات وقرارات حكومة الشرعية، بإيعاز وإسناد من دول التحالف والأمم المتحدة، والمتمثل في نقل وظائف عمليات البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى فرع البنك في عدن في 18سبتمبر 2016. كما يُراد من المشاورات المُتَوقّعة وقف الانھیار المُتسارع للرالا الیمني، نتيجة الإجراءات الفاسدة والفاشلة لفرع البنك في عدن، وكذلك انتهازية السياسات الاقتصادية والمالية، التي أدت إلى تدمير الاقتصاد الكُلِّي للبلاد وضاعفت آثار الحصار المفروض على ملايين اليمنيين.
إنه من السابق لأوانه القول بإمكانية أن تُساهم مشاورات مسقط، إذا ما جرت فعلياً، في الحيلولة دون بقاء مواقف التعنُّت وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه معاناة اليمنيين بالنسبة لحكومة هادي؛ لكن من المهم -وفق محللين- التكهُّن بالتأثيرات الضاغطة التي رسمتها خيارات صنعاء في استهداف عصب الاقتصاد السعودي، والتي قد تقود إلى مواقف مُتغيِّرة إلى حدٍّ ما، تستجيب في طبيعتها لمطالب صنعاء في السياق الاقتصادي.
ووفقاً للمحللين، فإن أي مشاورات في الملف الاقتصادي، وتحديداً ما يتصل بالانقسام الحاصل في المؤسسات المالية؛ لن تكون مُجدية ما لم يتم التوافق على آلية وصيغة عمل موحَّدة، وبإشراف طرف ثالث دولي لضمان الالتزام، أو التراجع عن قرار نقل وظائف عمليات البنك الرئيسي في العاصمة صنعاء، وبالتالي فإن عودة العمل من خلال نافذة البنك المركزي بصنعاء ستحد بشكل عملي من الانقسام المالي وتأثيراته الخطيرة التي نشهدها في الواقع منذ نحو خمس سنوات.
منذ وقت مُبكر كانت تحذيرات صنعاء من استهداف المؤسسات المالية واستخدام الاقتصاد كسلاح حرب ضد اليمنيين، وأبدت حكومة صنعاء -في أكثر من مناسبة- استعدادها للتوافق على حلول عادلة تضمن تحييد الاقتصاد واستئناف صرف الرواتب المُنقطِعة عن نحو مليون من الموظفين في أجهزة وقطاعات الدولة، على خلفية قرار نقل وظائف عمليات البنك الرئيسي في صنعاء إلى فرع عدن.
ووفقاً للمراقبين، فإنه ما كان للملف الاقتصادي أن يدخل ضمن محاور مشاورات “ستوكهولم السويد” في ديسمبر 2018، لولا فرضه على طاولة المشاورات من قبل صنعاء، ونجحت على الأقل في جعل الأمم المتحدة تدعو إلى مشاورات تكميلية في الشأن الاقتصادي، وهو ما حدث عملياً في مايو 2019 في العاصمة الأردنية عَمّان.
لكن -كما يقول المراقبون- بقي تصلُّب مواقف الشرعية ورفضها تقديم أي تنازلات، أو حتى الالتزام بما توفّر من اتفاق يتضمن موافاة الحساب البنكي الذي تم تخصيصه في بنك مركزي الحديدة؛ بالعجز المُتبقِّي لصرف رواتب الموظفين بدون استثناء، وفق كشوفات 2014، بالرغم من التزام حكومة صنعاء بتوريد إيرادات ميناء الحديدة إلى الحساب المخصص للرواتب.
وتسود حالة الإرباك في مشهد أداء المسؤولين البنكيين والاقتصاديين، خاصة بعد أن رموا عبثاً كامل ثقل المعالجات الاقتصادية للعملة المحلية بجانب الاكتفاء بمنع عملية بيع وشراء العملات الأجنبية، وبعد أن صار فرع البنك المركزي بعدن فاقداً السيطرة على رقابة مؤسسات الصرافة، جراء بيع أنظمة شبكات الحوالات المالية إليها بدون تنظيم عمل هذه الشبكات وإخضاعها لرقابة البنك، وهو ما شكَّل أحد الأعباء الاقتصادية التي يُضاف إليها الانقسام في المؤسسات المالية وطباعة أوراق نقدية من العملة المحلية بدون غطاء، فضلاً عن احتياج خزانة البنك لعملية ضخ مالي بعد عمليات نهب وسرقة أمواله وعوائد المؤسسات الاقتصادية الواردة إليه طيلة السنوات الماضية.
ويرى خبراء أن انشغال حكومة هادي وفرع البنك المركزي في عدن، بوضع معالجات ترقيعية لن ينجح في إنقاذ الاقتصاد من الانهيار الشامل، أو على الأقل إخراجه من حالة الموت السريري.. مؤكدين أن استمرار تهاوي قيمة العملة إلى أكثر من 870 ريالاً للدولار الواحد في عدن وبقية المحافظات الجنوبية، يُضاعف عدم التفاؤل بأي دور يمكن أن يقود إلى حلول إنقاذية للانهيار والتدهور الاقتصادي والمالي، عدا أن يكون هناك اعتراف بالفشل والعجز وتمكين البنك المركزي اليمني في صنعاء من مهامه كاملة بدون نقصان.
وقال الخبراء، لقد أثبتت إجراءات صنعاء الاقتصادية والمالية أنها أكثر كفاءة وقدرة في التغلب على الاستهدافات التي تعرّضت لها، ونجحت -إلى حدٍّ كبير- في خياراتها التي قالت إنها تحاول من خلالها حماية مؤسسات اقتصاد وعملة البلد التي تتعرض للتدمير الممنهج.. لافتين إلى أن قرار صنعاء بمنع تداول العملة غير القانونية في مناطق ممارسة سلطاتها؛ أثبت فاعليته في المحافظة على استقرار قيمة الريال أمام العملات الأجنبية، مقابل الانهيار المُتواصل في مناطق سيطرة التحالف السعودي الإماراتي.

شارك

تصنيفات: رأي