د.عادل محمد باحميد يكتب \ في ذكرى الاستقلال .. هل من (قفزةٍ) نحو (الاستقلال)؟!

بلا شكّ أن المحطات التاريخية التي تتوقف عندها الشعوبُ في ذكرى الأيام الوطنية لثوراتها أو استقلالها تُعدّ من أسباب الفخرِ والاعتزاز ومدعاةً للفرحِ والاحتفالِ والابتهاج، وتبقى بالنسبة للأجيال عقب الأجيال نبراساً تستلهم منه الكثير من المعاني الوطنية المهمّة لحفظ هوية الوطن وتخليدِ تضحيات الرعيل الأول من مناضليه وأهمية الثبات على نهجهم وعلى الأهداف الخالدة لتلك الثورات والمناسبات المجيدة.
واليوم ها نحن نصلُ إلى واحدةٍ من المحطّات الفارقةِ في تاريخنا الحديث، إنّها الذكرى الـ(53) لاستقلالنا المجيد عن الاستعمار البريطاني في جنوب الوطن في الـ(30 من نوفمبر 1967م)، الاستقلال الذي تبذل لأجله كلُّ الشعوب الحرّة من أرواحِ ودماء خيرةِ أبنائها، فهو التحرّر والانعتاق من قيود الأجنبي، من قيود التبعيّة والارتهان له، إنّه المحطّة الأهم لدى الشعوب في استعادة قرارها الوطني، وإعطاء مفاهيم السيادة والكرامة معناها الذي يتوقُ إليه كلُّ الأحرار.
غير أنّ الناظرَ اليومَ لواقع البلد الذي يحتفل بالذكرى الـ(53) لاستقلاله، يُدركُ أنّنا لا زلنا بحاجةٍ ماسّة إلى تحقيق الكثير من معانِ الاستقلال بيننا، فها هي ستةُ أعوامٍ تُحدثُ من الدمارِ والخرابِ والتمزيق للوطنِ ولُحمته السياسيةِ والمجتمعيّة وتوجدُ حالةً مريرةً من الإحتراب الداخلي والشتات الخارجي والمعاناة ما لم تفعله الـ(128) عاماً من استعمار الأجنبي المباشر، ذاك المستعمر الذي حين توحّدت الإرادةُ الوطنية لاقتلاعهِ حمل آخرُ جنوده حقيبته ورحل عن أرضنا إلى غير رجعة.
اليوم وبينما نحتفل بذكرى استقلالنا لكأنّي بالبردوني العظيم يُسائلُ صنعاءَ مرّةً أخرى بعد أن أحسّ بسيفِ الغزوِ والاستعمارِ في صدره:
(وهل تدرينَ يا صنعا .. من المستعمرِ السرّي؟!
غزاةٌ لا أشاهدهم .. وسيفُ الغزوِ في صدري)
غير أنّ الغزاةَ اليوم يا شاعر الوطن لم يأتونا على هيئةِ تبغِ سجائرنا ولا صدقات وحشي ولا أهداب أنثى كما قلت !!، بل أتونا هذه المرّة على هيئتنا، متلبّسينَ عقول وأرواح وقلوب بعضٍ من أبنائنا، أتونا اليوم بعد أن وجدوا بين ظهرانينا من أسلمهم قيادَهُ رويداً رويداً حتى صار سهماً في قلبِ الوطن، بعد أن وجدوا من استطاعوا أن يُحدثوا به كلّ هذا الكمّ من الدمار والخراب والمعاناة والتمزيق للوطن والمواطن شمالاً وجنوباً، بعد أن وجدوا من أبناء الوطن من ارتضى أن يُصبح أداةً طيّعةً لتحقيق ما عجز الاستعمار المباشر عن تحقيقه بنفسه، وكلّ ذلك تحت شعارات الزيف وبيع الوهم وتسويقه للبسطاء.
يكفينا اليوم لنُدركَ حجمَ مأساتنا وقدرَ حاجتنا للاستقلال الحقيقي أن ننظرَ حولَنا عشيّةَ ذكرى استقلالِنا، أين هي صنعاء؟ وأين هي عدن؟ والأمرُّ من ذلك أين نحنُ أنفسنا الآن؟!!، ولا داعي لمزيدٍ من تساؤلات وإن كانت كثيرة، فالحقيقةُ مُرّة والخطبُ مهول، ولا أدهى من كلّ ذلك ولا أمرّ منه سوا عدم وعينا بحقيقة اللحظة، سوا حالة الانقسام والتنازع التي لا زلنا نحياها ونحن ندّعي المواجهة لعدونا المشترك، سوا حالة الأنانية والجشع التي تعشعش على عقول من تعودوا على ثقافة الغنيمة والفيد وممارسة الفساد حتى من جسد الوطن الجريح والمواطن المقهور.
إنّ الإدراكَ بحقيقة الوضع الذي نحياه سيكون بمثابة الخطوة الأولى لليقظة اليمانية المنشودة، المنبّه الذي يخبرنا أنّ الوقت قد حان لإشعال نارِ الثورةِ في قلوبنا وعلى أرضنا من جديد، فنحنُ من أشعل سبتمبر واكتوبر، ونحنُ من أحرق الأرض تحت اقدام الكهنوت والاستعمار، ونحنُ من صنعَ فجرَ نوفمبر الذي انتزعنا فيه إرادتنا وقرارنا، واستعدنا فيه كرامتنا وسيادتنا، ولأجل كل ذلك علينا أن (نقفزَ) خطوةً كبيرة ومهمّة إلى الأمام، قفزةً نتجاوز بها خلافاتنا البينيّة، نتجاوز بها ذواتنا، نتجاوز بها مناطقيتنا، وجهويّتنا، وحزبيّتنا، لأنه وبكل بساطة كلنا مستهدفون، قفزةٌ نعلنُ فيها اصطفافاً وطنياً صلباً غير مشروطٍ خلف قيادتنا الشرعيّة الصامدة نستند إليها وتستقوي بنا في معركتنا المصيرية المشتركة.
لقد نجح من لا يريدون الخيرَ لنا ولا لبلادنا، في أن يشغلونا ببعضنا نحن أصحاب المعسكر الواحد، واقنعونا أنّنا خصومٌ لبعضنا، وأوهموا كلَّ طرفٍ منّا بأنها الفرصة الأمثل للقضاء على خصومه، وللأسف ما زلنا منخدعين بهم ولهم، نفتحُ كلّ يومٍ جبهةً فرعيّة بيننا تلهينا عن جبهتنا ومعركتنا الحقيقة والأساسيّة، بينما عدونا المشترك يزداد كلّ يومٍ قوةً وتمكّناً واستعصاءاً، ونزداد نحن ضعفاً وتمزّقاً وهوانا.
فإن كان من درسٍ لـ(نوفمبر) بيننا وإن كان من وفاءٍ له، فهو بأن نستيقن أنّ قرار (الاستقلال) هو (قرارنا)، وأنّ النضال الوطني الموحّد لأجلهِ هو (خيارنا)، وأنّه لابد لنا من (قفزةٍ وطنيّة) إلى الأمام نستعيد بها (استقلالنا) الحقيقي من جديد.

شارك

تصنيفات: رأي