صالح الحنشي يكتب / قراءة وليست أُمنية

في منتصف العقد الماضي بدأ الحديث عن مشروع شرق أوسطي وأن “سايكس بيكو” جديد في انتظار منطقة الشرق الأوسط.. ثم بدأ الحديث عن عملية تفكيك للدول على غرار ما شهدته أوروبا الشرقية في نهاية القرن المنصرم.. وتلا هذا الحديث تسريبات عن شكل التقسيم لبعض بلدان المنطقة، ومنها المملكة السعودية التي تحدّثت تلك التسريبات عن تقسيمها إلى دولتين: دولة مقدسات، وتشمل المنطقة الممتدة من المدينة إلى مكة.. بينما يصبح باقي المملكة دولة علمانية..
يبدو أن هذا المخطط قد دخل حيز التنفيذ، حين دُفِع بالمملكة للتدخل في اليمن لتكون البداية.. وأرى أن هذه المرحلة قد أنجزت ما كان يجب أن تُنجزه على طريق التفكيك.
في 28 مايو 1987، هبط “ماتيوس راست” بمروحيته الصغيرة في الميدان الأحمر.. و”ماتيوس” هو شاب ألماني طار بمروحيته التقليدية البسيطة من برلين إلى موسكو مُتخطياً كل التحصينات الدفاعية للاتحاد السوفيتي ووصل إلى مسافة أمتار من ضريح لينين، وهو الحادث الذي كسر هيبة الاتحاد السوفيتي وأظهر هشاشته، لتتوالى بعد ذلك خطوات الانهيار والتفكيك.
في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن أخذت جماعة الحوثيين دور الشاب الألماني “ماتيوس” بعد أن وصلت صواريخهم وطائراتهم المُسيَّرة إلى كل أرجاء السعودية وأصبحت أراضي المملكة تحت سيطرة نارية للحوثيين، وانكسرت هنا كبرياء السعودية وفضحت أكذوبة صفقات التسليح الضخمة، وأن صفقات التسليح بمئات المليارات من الدولارات لم تحمِ السعودية من صواريخ جماعةٍ تتعرّض للحصار والحرب منذ ست سنوات.
وبعد أن أُنجِزت المرحلة الأولى لم يبقَ غير وصول محمد بن سلمان لعرش المملكة ليقوم بدور “جورباتشوف”.
محمد بن سلمان صاحب مشروع التحديث والعلمنة سيكون مشروعه مُحفِّزاً ومُعجِّلاً لعملية التفكيك.. فالعلمنة التي يُواجه المتشيِّعون لها صعوبة في تسويقها في بلدان عربية أخرى غير السعودية، فكيف سيكون الحال في بلد مثل المملكة التي تُعد قِبلة للمسلمين وبها مقدساتهم.. بما يعني أن فرض بن سلمان لمشروعه قد يخلق شرخاً في المجتمع السعودي وتصبح المملكة حينها غير قادرة على فرض مشروع العلمنة على الكل السعودي، ولا حتى العودة إلى ما قبل البدء في هذا المشروع، ويصبح فصل الأماكن المقدسة حلّاً لتفادي الانهيار الكامل..
كما قد يُدفع بابن سلمان لخوض مُجازفة أخرى بالدخول في حرب مباشرة مع إيران التي نعرف نتيجتها سلفاً بانكسار المملكة بعد أن تدك الصواريخ الإيرانية كل البنى التحتية للمملكة..
وفي اعتقادي أن مؤشرات هذه الحرب بدأت تلوح في الأفق.. وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن لقاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس الموساد مع بن سلمان، وأكدتها صيغة النفي للخارجية السعودية.
وإذا ما عدنا للوراء قليلاً وما تحدثت به بعض الصحف الإسرائيلية عن مخاوف إسرائيلية من نشر الحوثيين لصواريخ طويلة المدى في المناطق المحاذية للمملكة، وقالت إن تلك الصواريخ أصبحت تُشكِّل خطراً على الأراضي الإسرائيلية، وأن ضربة إسرائيلية استباقية لمواقع إطلاق صواريخ الحوثيين أصبحت ضرورة.
ولا أعتقد أن لقاء بن سلمان مع رئيس وزراء إسرائيل قد خلا من الحديث عن التعجيل بهذه الضربة للحوثيين.. فما نقلته وكالة رويترز قبل أكثر من أسبوع عن مصادر سعودية أفصحت فيه عن مشروع اتفاق مع الحوثيين بإقامة منطقة عازلة على الحدود بين مناطق سيطرة الحوثيين والسعودية، الذي جاء مُفاجئاً دون مقدمات، كان مُثيراً للريبة، وازداد من هذه الريبة الرد الحوثي الذي جاء باستهداف إحدى خزانات الوقود التابعة لـ”أرامكو” في جِدة.. مبادرة حسن نية سعودية يقابلها رد بالقصف من قبل الحوثيين، وهذا ربما ما جعل الحديث عن مبادرة اتفاق المنطقة العازلة مجرد محاولة تطمين للحوثيين قبل استهدافهم، فكان الرد الحوثي بحسب ما يستشعره من خطر.

شارك

تصنيفات: رأي