معاهدة جِدّة التي وثَّقت التزام السعودية بالوحدة اليمنية ( تقرير )

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية

أكثر من ثمانين عاماً مضت على عُمر الصراع الحدودي بين اليمن والسعودية، وما أفرزه من عداوات تقليدية..
أكثر من ثمانين عاماً لم تكن كافية لتناسي الملف الحدودي اليمني السعودي، بل زاد التوتُّر اشتعالاً في السنوات الأخيرة، والسبب أن الجانبين مُقيَّدان باتفاقيات مُلزِمة كان آخرها معاهدة جدة التي وُقِّعت في 12 يونيو عام 2000 لترسيم الحدود النهائية ولحلِّ كافة الخلافات الأخرى المُتعلِّقة بملف الحدود.
أكد الجانبان التزامهما بما اشتملته الاتفاقية، ومن ضمن تأكيدات الجانب السعودي آنذاك أن الوحدة اليمنية قدر ومصير الشعب اليمني، وأن الاتفاقيات المُوقَّعة منذ معاهدة جِدّة بين الطرفين تعني -بالضرورة- اعتراف المملكة ضمناً بدولة الوحدة اليمنية، وبُنيت معاهدة جدة وبنودها على هذا الأساس: ترسيم حدودي نهائي، مقابل اعتراف سعودي بالدولة اليمنية الموحَّدة، وأي إخلال بهذا الشرط يُخلُّ بالمعاهدة وما سبقها من معاهدات.
قبل اتفاقية جدة كان شمال اليمن جزءاً من اتفاقية الطائف التي أكدت أن أراضي جيزان ونجران وعسير يمنية مُؤجَّرة لدى السعودية إلى أجل غير مُسمَّى، حُدِّد سقفه بنحو ستين عاماً، ولم يكن جنوب اليمن مشمولاً بالاتفاقية، بل إن السعودية لم تعترف بالجنوب أصلاً لأنها كانت تحتل جزءاً من أراضيه في منطقة شرورة، ولم تشمله بأي مفاوضات حدودية معها، كما أنها سعت خلال سنوات ما بعد ثورتي 26 سبتمبر في الشمال و14 أكتوبر في الجنوب إلى التوسُّع في الربع الخالي، وهي منطقة غير مُرسّمة ولم تلحظها معاهدة الطائف وملاحقها، وبعد إعلان استقلال جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني، في 1972 وقعت أول حرب يمنية جنوبية مع السعودية، عندما استولت السعودية على الوديعة والشرورة.
المشكلة المُزمِنة للحدود في الجنوب اليمني هي ارتباطها تاريخياً بالعلاقة مع الشمال، رغم نداءات الانفصال، وهو ما يعني لدى مراقبين جنوبيين وعرب أن مسألة فرض الانفصال بالقوة لا تختلف عن مسألة فرض الوحدة بالقوة.
وكانت السعودية قبل أيام قلائل من إعلان الوحدة اليمنية 1990؛ قد حاولت إقناع الزعماء الجنوبيين بفصل موضوع الحدود بين الجنوب والسعودية عن موضوع الحدود بين الشمال والسعودية في نصوص اتفاقية الوحدة، بحيث يبقى هذا الموضوع تحت سيطرة الجنوب لا الحكومة المركزية في الترتيبات الدستورية التي كان يُجرى إعدادها لدولة الوحدة؛ ولكن محاولاتها لم تنجح.
ظلت الحدود على ما هي عليه إلى أن فتحت قوى سياسية في البلدين ملف الحدود عقب مُناوشات على الحدود السعودية مع مختلف المحافظات اليمنية شمالاً وجنوباً، ما أعطى مُؤشِّراً على أن السعودية تتعامل مع اليمن باعتباره كتلة واحدة تُناصبها العِداء، ولا تُفرِّق بين شمال ولا جنوب إلا بحسب مصالحها.
وقَّع الطرفان معاهدة جدة عام 2000 خضوعاً لمنطق الحقائق على الأرض، واعترفت السعودية بالخارطة اليمنية المُوحَّدة ووقَّعت على رضا منها بالأمر الواقع، وكان هذا البند -أي الوحدة اليمنية- مسماراً يربط محاولات السعودية التعامل بازدواجية في ملف حدودها مع اليمن، ولكن خروج الأطراف اليمنية من مؤتمر الحوار بقرار الفيدرالية أعطى لها مُبرِّراً للتدخل في الشأن اليمني وفق رؤية جديدة تعتمد على النظرية التفكيكية.
لن تدعم السعودية خيار حل الدولتين، كما ألمحت إلى ذلك مراراً وتكراراً في وسائل إعلامها، كما أنها اتخذت مساراً أحادياً للتعامل مع القضية الجنوبية يتمثل في اعتبار الأقلمة الحل الأمثل للملف اليمني، ما يُفسِّر لنا تعاطيها مع جنوب اليمن وفق رؤية مستقبلية تهدف إلى تفتيت التكوين الجغرافي الجنوبي إلى أقاليم، وإن بدت أنها تنتصر للقضية الجنوبية، إلا أنها إلى الآن لم تُقدِّم دليلاً واضحاً على تبني القضية اعتماداً على جنوب اليمن سابقاً، بل لا زالت تتعامل مع محافظات الجنوب كُلاً منها على حِدة، وليست واقفة مع فكرة جنوب مستقل، بقدر ما يُهمها يمنٌ مُتعدِّد الأقاليم.
وللعلم، فإن السعوديين كانوا هم الذين طالبوا اليمنيين بضرورة الاتفاق على ترسيم العلامات الحدودية التي وُضِعت بين البلدين بشكل نهائي، وهذا أعطى مُبرراً لليمنيين لفرض شروطهم، فخرج الطرفان في معاهدة جدة بصيغة تنص على أن ترسيم الحدود يعني بقاء كلٍّ من نجران وجيزان وعسير تابعة للسعودية وفي وضع غير قابل للتراجع أو النقض، إلا في حالة إخلال السعودية بالبند المُتعلِّق بوحدة أراضي الجمهورية اليمنية وسيادتها واستقلالها، كون الوحدة اليمنية جزءاً رئيساً وأساسياً في الدستور اليمني..

وظلت لدى السعودية عُقدةٌ تتمثل في الوصول إلى مياه المحيط الهندي عن طريق اختراق حدود اليمن إلى بحر العرب، ومن الملاحظ أنها تريد التحرر من هذه العقدة اليوم من خلال محاولاتها المستمرة لبسط نفوذها وسيطرتها على محافظة المهرة، وهو ما يعطي دليلاً ملموساً آخر على عدم اكتراثها لمصير دولة الجنوب الافتراضية في حال انفصالها عن شمال اليمن.
السعوديون اليوم ماضون في خرق تعهُّداتهم للحكومات اليمنية المُتعاقِبة في الجنوب أو الشمال، بطريقة لا تخدم الانفصال ولا تُعزِّز الوحدة، بل هي طريقة متماهية مع الأطماع الإقليمية في ثروات هذا الجزء الجغرافي المُهم من العالم.

شارك

تصنيفات: الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير