تعز تدفع ضريبة انحيازها لعدن ( تقرير )

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية

ما إن شنت طائرات التحالف غاراتها على اليمن في الـ26 من مارس 2015 مُعلِنة انطلاق عمليات “عاصفة الحزم”؛ حتى خرجت مظاهرات حاشدة في تعز لتأييدها، وشارك آلاف المتظاهرين يوم 28 مارس من العام نفسه -أي ثالث أيام “عاصفة الحزم”- في مظاهرة كبيرة رفعت شعار: شكراً سلمان، داعيةً إلى قصف الحوثيين ومنعهم من التمدد في أنحاء اليمن وخاصة المحافظات الوسطى والجنوبية والشرقية، ثم عمدت مجاميع مسلحة من تعز إلى قطع الطرقات الواصلة بين تعز وعدن، منعاً لما اعتبرته استمرار دخول الحوثيين إلى عدن والجنوب أو أن تتحول محافظتهم إلى نقطة انطلاق أو عبور للقوات المرسَلة إلى المحافظات الجنوبية، تلك التي عدَّتها جماعة الحوثي قوات “لحفظ الأمن والاستقرار ومواجهة العدوان، ضمن إطار حماية أراضي الجمهورية اليمنية”، في حين عدَّها أنصار التحالف “قوات غازية”.
وكانت مجاميع قبلية شُكِّلَت قبل تلك الأحداث وتحديداً مع هروب هادي إلى عدن، انحيازاً إلى محمولات مناطقية ومذهبية.
وعقب دخول جماعة الحوثيين إلى عدن والمحافظات الجنوبية طالبت مجاميع نقابية وإعلامية وقبلية من محافظة تعز برحيل مسلحي الجماعة على اعتبار أن المناطق التي دخلت إليها هي مناطق تنتمي إلى الحزام الشافعي، في ما يشبه استنفاراً مناطقياً ومذهبياً وطائفياً لم يكن يظهر للعلن من قبل.
تقدّم ناشطو وناشطات الإصلاح المسيرات في تعز، واستحوذوا على صوت الشارع، أو صادروه، كما تماهت أصوات الحراك الجنوبي في عدن مع أصوات ناشطي وناشطات الإصلاح، وصوّرت الناشطة السياسية الإصلاحية حياة الذبحاني المسيرات إعلامياً على أنها وحدة المصير التعزِّي العدني في مواجهة الغازي القادم من هضبة شمال الشمال!!
ثم مرت سنتان على عاصفة الحزم وسنتان على إعادة الأمل وسنتان بعدهما، فإذا بالأحداث المتوالية دراماتيكياً تكشف عن فجوة عميقة وهوة ساحقة ما بين عدن وتعز، وإذا بأول المُستهدَفين في جنوب اليمن هم من أبناء محافظة تعز.
لم تعُد تحركات الناشطين والناشطات المنضوين في إطار تشكيلات الشرعية أو الانتقالي وما يندرج تحتهما من عناصر محسوبة على تيارات تجمع الإصلاح أو المؤتمر أو حتى الاشتراكي، وغيرها، لم تعد تلك التحركات واضحة للعيان، وتستّرت بأغطية شعاراتية، بعد أن واجهت المجاميع المُؤِّيدة للتحالف واقعاً جديداً تبين من خلاله اختلافها على تنفيذ أجندتها وأجندة التحالف، وتباين مواقفها تجاه مموليها.
بعد ست سنوات من عاصفة الحزم يكاد لا يمر يوم إلا وتحصل فيه أحداث ووقائع تنمُّ عن نتيجة غير مُتوقَّعة من نتائج تحالفات المناطقية المذهبية متمثلة في تحالف عدن – تعز الذي تفكك بأيدي أبناء عدن وتعز أنفسهم.
صار الكثير من أبناء الجنوب اليوم -كما الكثير من أبناء تعز- ينظرون إلى تدخل التحالف على أنه لم يكن ضرورياً، خاصة بعد أن تعرضت التشكيلات والمكونات المناصرة له لضربات “عن طريق الخطأ” عدة مرات!!
تحوّلت محافظات الشمال الواقعة تحت سيطرة الحوثي اليوم إلى وجهة حيوية، عكس تعز والجنوب، نظراً لترسُّخ الأمن والاستقرار فيها وتماسك العملة الوطنية نسبياً مقارنة بمناطق سيطرة مكونات الانتقالي والشرعية والإخوان.
المُفارقة أن تعز التي وقفت في وجه الحوثيين حتى من قبل عاصفة الحزم من خلال تسهيلها هروب هادي وخروج مجاميع قبلية منها للتصدي لهم ومنعهم من التوجه نحو عدن أو السيطرة على تعز، صارت الآن محط استهداف أبناء الجنوب عموماً وعدن خصوصاً، ولاسيما بعد الأحداث التي شهدتها عدن من مواجهات بين الانتقالي والشرعية وإعلان الانتقالي الإدارة الذاتية في الجنوب في أغسطس 2019 واستهداف شريحة من العاملين في عدن من أبناء تعز بذريعة انتمائهم للشمال، وأن لهم يداً في وقائع عنف حدثت في عدن.
كل هذا حدث عقب خروج قوات صالح والحوثي من عدن وانسحابها من محافظات الجنوب، وليس أثناء وجودها، ما يعني أن جماعات الجنوب وتعز واقع الأمر هي الإشكال لا الحل، كما يعتقد الجنوبيون والتعزِّيُّون، أو معظمهم.
هذا العام وتعييناً في مطلع يوليو منه، خرجت مظاهرة جماهيرية حاشدة في مدينة تعز، لكن ليست مُناصِرة للتحالف ولا مُعادِية للحوثي، بل خرجت لتطالب السلطات السعودية بالإفراج عن الرئيس عبدربه منصور هادي وأعضاء حكومته، مما وصفته بـ”الإقامة الجبرية”.
وخرج المتظاهرون لا ليهتفوا: شكراً سلمان، وإنما ليهتفوا بنداءات تطالب بإخراج التحالف بقيادة السعودية من اليمن ورفعوا لافتات تحمل شعارات تندد بـ”احتلال المحافظات والجُزُر اليمنية”.
واتهم المتظاهرون التحالف وأنصاره بالاستغراق في بث الفتن في اليمن وتفتيت لُحمتها السياسية والمجتمعية واحتلال موانئها وجزرها وسواحلها ومدنها، في تغيُّرٍ جذري في القناعات.

إلى ذلك، كان حضور مكونات اجتماعية من أبناء تعز في المشهد السياسي والعسكري في المناطق التابعة لسيطرة جماعة الحوثي رد فعلٍ طبيعياً على ما لاقته المكونات نفسها في الجنوب، وما تزال صنعاء إلى اليوم حاضنة لأبناء تعز وأبناء الجنوب على حد سواء، كما يقول ناشطون وإعلاميون من أبناء تعز وأبناء الجنوب أيضاً والذين تذمروا من تنامي عنصرية المناطق الوسطى والجنوبية كما يصفونها، والتي تشوِّه فكرة محاربة العنصرية التي غالباً يتهمون بها جماعة الحوثي.
وتوالت المظاهرات المُندِّدة بممارسات التحالف في تعز والبيانات الجماهيرية الصادرة باسم المكونات الشعبية والشبابية والمجتمعية والمدنية المُشارِكة، مؤكِّدة أن دول التحالف العربي انحرفت عن أهداف تدخلها العسكري في اليمن.
ميدانياً، شهدت مدينة التربة خلال العامين الأخيرين، توتراً عسكرياً بين قوات محسوبة على الإصلاح وأخرى موالية للإمارات، لتدخل مديريات محافظة تعز الواقعة تحت يد سلطة هادي في صراعات داخلية، لا تشهد مثلها مديريات المحافظة الواقعة تحت سلطة جماعة الحوثي.
عدن اليوم لم تعُد حاضنة مناسبة كصنعاء، فلا أمن ولا أمان ولا اقتصاد ولا استقرار، كما تؤكد معطيات الأحداث وحيثياتها، وتعز صارت تراوح محلها بين الانتصار لعدن أو الانحياز للواقع الثابت عياناً الذي يقول إن صنعاء وحدها هي التي رحبت باليمنيين على اختلاف مشاربهم وتوجُّهاتهم منذ ستة أعوام، وكأن الأقاليم الستة التي أُعلِنَ عنها في مؤتمر الحوار اجتمعت فيها، أو على حد تعبير الكاتبة الجنوبية شويكار سليمان: صنعاء استقبلت تعز وعدن، صنعاء حوَت كل فن.

شارك

تصنيفات: الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير