تيغراي والجنوب.. استثمار الجغرافيا والسكان لخدمة الأهداف الاستعمارية (تقرير )

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية
تشهد إثيوبيا حالياً صراعاً سياسياً تطوّر إلى اشتباكات مسلحة بين السلطة المحلية لإقليم تيغراي (تكرينيا) والحكومة المركزية في أديس أبابا، بعد نحو عامين من الاحتقان السياسي بين الطرفين.
ولأن الوضع في اليمن يُشبه إلى حدٍّ كبير نظيره في إثيوبيا التاريخية (الحبشة)، فإن تسليط الضوء على ما حدث ويحدث في الشاطئ الغربي للبحر الأحمر مُهم للغاية لإدراك ما قد يحدث للشاطئ الشرقي، حيث اليمن وجزرها وسواحلها المترامية الأطراف.
وعلى غرار ما يدعو له المجلس الانتقالي في الجنوب؛ فجبهة تحرير شعب تيغراي بدأت مشوارها كحركة انفصالية في الثمانينيات بدعم من الغرب، عقب سيطرة الاشتراكيين بقيادة منجستو هيلا مريم على الحكم في 1974.
انهيار النظام الاشتراكي مطلع التسعينيات شجّع الجبهة على التوسع داخل البلاد والهيمنة على القرار السياسي على مدى العقدين التاليين، إلا أن تلك الغلبة بدأت في الانحسار عقب وفاة رئيس الوزراء السابق “ملس زيناوي” عام 2012، وحتى وصول رئيس الحكومة الحالي “أبيي أحمد” عام 2018، وهو أول رئيس وزراء من عرقية أورومو.
وردّاً على تراجع هيمنتها على كامل الأراضي الإثيوبية؛ بدأت جبهة تحرير شعب تيغراي في الدعوة إلى الانفصال من جديد، وأجرت مؤخراً انتخابات محلية داخل الإقليم رغم رفض الحكومة المركزية للخطوة وإيقاف تمويلها من الخزانة المركزية في أديس أبابا.
وحتى اليوم، تسعى حكومة أبيي أحمد إلى فرض هيبة الدولة في الإقليم الانفصالي، يُساندها في ذلك عدد من دول المنطقة، منها الجارة إريتريا، والتي تخشى من حركات تمرّد مماثلة، رغم أنها استقلت هي الأخرى عن الحبشة بتمرد مماثل عام 1993.
وتسعى إريتريا -التي كانت إلى عهد قريب سواحل الحبشة الكبرى- إلى الحفاظ على وحدة أراضيها من صراعات عِرقية ومناطقية مماثلة، دفعتها إلى اعتماد أسامي جغرافية للمحافظة بدلاً عن التسميات العِرقية، حيث تحوَّلت محافظة “دنكاليا” على سبيل المثال، إلى محافظة جنوب البحر الأحمر.
تسمية إريتريا أيضاً هي تسمية استعمارية -وتعني البحر الأحمر- فرضها الاستعمار الإيطالي إبَّان حكمه لسواحل الحبشة بين عامي 1890 و1947، على غرار “الجنوب العربي” الذي أطلقته المملكة المتحدة على المحافظات الجنوبية في اليمن بين عامي 1962 و1967.
ومن ذلك نُدرك أن سواحل البحر الأحمر الشرقية منه أو الغربية، هي محل تآمر الغرب، وكانت البداية بفرض تسمية جديدة لإقناع الأهالي بأنهم مختلفون عن بقية سكان البلاد.
مُؤخَّراً، انتقلت راية الاستعمار إلى دول عربية كالسعودية والإمارات، وتسعى -بالتحالف مع إسرائيل- إلى السيطرة على الساحل الإفريقي على البحر الأحمر، حيث أنشأت أبوظبي قاعدة عسكرية لها في ميناء مصوع شمال إريتريا، بالتزامن مع تسليم ميناء عصب الجنوبي لشركة موانئ دبي، كما فعل نظام صالح سابقاً مع ميناء عدن.
ومع تغلغل الاستثمارات الإماراتية في الساحل الإفريقي وتثبيت سيطرتها هناك؛ بدأت مناطق الداخل في التصارع مُجدَّداً، ويظهر ذلك جلياً في أحداث إقليم تيغراي الإثيوبي.
ومن شأن ذلك النزاع أن يزيد من تأخير إجراءات ترسيم الحدود الإثيوبية الإريترية والتي ما تزال عالقة رغم توقيع اتفاق السلام عام 2018. كما يأتي تصاعد النزاع في وقت تواجه أديس أبابا خلافاً كبيراً مع القاهرة بشأن إقامة مشروع سد النهضة على النِّيل الأزرق لتوليد الطاقة الكهرومائية، والذي تعتبره مصر تهديداً وجودياً.
ويرى مراقبون أن الإمارات تتشارك مع إسرائيل في مُهمة الغلبة على سواحل البحر الأحمر في الجانبين، خوفاً من تأثيرات سلبية على ميناء جبل علي العملاق في دبي، وحماية للأمن القومي للدولة العبرية، ويقتضي ذلك إبقاء المنطقة بِرُمَّتها في حالة صراع مستمر إلى أجل غير مُسمَّى.

شارك

تصنيفات: الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير