أحمد ناصر حميدان يكتب / لا تستفزُّوا عدن

وصف عفاش نسيج عدن بـ(هنود وصومال), والعقليات التي تخلّقت في حاضنته تصفه اليوم بـ(جبالية وعرب 48), وعدن تفتخر بجمال فسيفساء هذا النسيج المتنوع ثقافياً وعرقياً, فلا تصطدموا معه, لأنه فوق مستواكم الثقافي والفكري والمدني, بولادته على أرض عدن, ورضاعته الثقافة والمدنية والتسامح والتعايش مع حليب أمهاتهم في عدن, الذين صاروا جزءاً أصيلاً من نسيج عدن.
عدن مدينة ومدنية, مدينة ترفض الثقافة والسلوك القروي, ومدنية ترفض العصبية والأصولية, فلا يمكن أن تُدار عدن بكلا الحالتين, عدن لا تخضع إلا لله والنظام والقانون، ومن أراد أن يكون جزءاً من هذا النسيج، عليه أن يخضع للنُّظم والقوانين المعمولة، أن يخضع لثقافة التعايش والتسامح، وأن يخلع عن كاهله ثقافة القروية والعصبية التي تُعكِّر صفو عدن.
ومن حق عدن أن تُعبِّر عن مكنونها من المعاناة، وأن تسخط مما أصابها من انفلات قيمي وأخلاقي، أمني وثقافي وسياسي، انفلات للمنظومة والنظام والانضباط, بسبب الجهل بقيمتها الثقافية والسياسية والاقتصادية، التي جعلت البعض يعتبرها قطعة أرض تتبع عصبته، امتلكها بفوهة بندقيته وصار له الحق أن يمارس ما يحلو له وعلى الآخرين الطاعة والاستسلام لعقلية الصلف والعنجهية.
حال عدن اليوم لا تسُرّ العدو ولا الحبيب، وإن عبّر الناس بسخط عن حالهم، قذفوا بالاتهام والتخوين والتصنيف بهواجس وشكوك (الفوبيا) المُسيطرة.
في عدن انقسام مُجتمعي مبني على العصبيات غيّب الحق والحقيقة, والحقيقة أن عدن تتوق لدولة المواطنة والنظام والقانون العادل الذي يحاسب الكبير قبل الصغير.
في عدن اليوم تُنتهك الأعراض, والبسط على الأراضي والمتنفسات، في عدن جرائم قتل واختطاف وسلب، وشارع ساخط لم يجد دولة مُقنعة لتَطلُّعه، ساخط من (كونان) الذي لم يُقدِّم مجرماً للعدالة، ولم تُعقد جلسة محاكمة منصفة, ساخط بسبب تفوّق العرف القبلي على النظام، ويستظل الناس بالقبيلة بدلاً عن القانون كمظلة منصفة للجميع، شارع ساخط بفقدان الثقة بالقائمين على التنفيذ.
عدن تنضبط من خلال منظومة سياسية منضبطة مدنياً وثقافياً وفكرياً، وتنفلت بانفلات المنظومة, وهي تعيش اليوم حالة انفلات غير مسبوقة، تعبّر عنها بسخط, وعلى القائمين البحث عن أسباب ودواعي هذا السخط لا الخوض في اتهام الساخطين، حتى لا يتطور السخط لرفض, والقضية مسؤولية أخلاقية ووطنية، على المسيطر ضبط إيقاع الحياة العامة واستعادة ثقة الشارع.
من الصعب استغفال عدن، والبيان الأمني أضر بالأمن أكثر من أن يبرر له، لأن الشارع سخط لقضية خطف الفتاة، ويبقى السؤال قائماً: أين الفتاة المُختَطفة؟ ما لم يبرهن الأمن عكس ذلك بالعثور عليها.
وتبقى الخصومة السياسية ونظرية المؤامرة لا تهم عدن, وهي تخص المتخاصمين بحيث لا ضرر ولا ضرار لعدن، ولا داعي للتبرير و(الشكاء والبكاء)، لأنه يقدّم الخصم على أنه أكثر قدرة على الاختراق، وأكثر قدرة على القبول لدى الشارع، مع كل اتهام للناس بأنهم عملاء معه.
وسخط الشارع حق, خاصة فيما يتعلق بالقضايا ذات البعد الأخلاقي والقيمي، وعلى المسيطر أن يُعيد بناء جسر الثقة مع هذا الشارع، ويعترف بحقيقة فقدان الثقة، ويعيد ترتيب أوراقه، أو يستمر باغياً ومتجاهلاً لنهاية قد لا يُحمد عقباها، ونحن من الناصحين لله والوطن والجنوب.

شارك

تصنيفات: رأي