صلاح السقلدي يكتب / أجهزة الأمن.. بين عملية الاستهداف وتهمة الفشل

الوضع الأمني المضطرب في عدن وسائر المحافظات مرآة عاكسة لحالة غياب التسوية السياسية وعدم الاستقرار السياسي؛ فالبوابة السياسية هي المدخل الرئيس لمعالجة كل المجالات الأخرى، ومنها الأمنية.
الحالة الأمنية في عدن ليست نتاج فشل أمني فقط، بل نتيجة فشل سياسي لكل القوى في الساحة، جنوبية أو ما يُعرف بالشرعية، مثلها مثل الحالة المريعة التي نراها في المجالات الأخرى، كالمجال الخدمي والمعيشي.
فغياب الاستقرار الأمني في عدن وسواها من المحافظات لم يكن ناتجاً عن قصورٍ في عمل الأجهزة الأمنية فقط، بل هو نتاج لجهود إفشال مُتعمَّدة تقوم بها قوى تحمل مشاريع سياسية مُغايرة لما تحمله القوى الجنوبية التي تُمسك بزمام الأمور في عدن، فمهما كان حجم الجهود الأمنية ستظل تجد في طريقها ألف مطب وعقبة للكبح.
هذا بالإضافة إلى سبب آخر لا يقل خطورة عما ذكرناه، إن لم نقل أخطر منها بكثير، وهو يخص التركيبة الأمنية ذاتها وطريقة إعادة بناء الأمن.. فـ”معظم” أفراد وضباط الأجهزة الأمنية في عدن والمحافظات الأخرى غير مدربين أمنياً أو قانونياً ولا حتى عسكرياً بالشكل المطلوب، ويفتقر معظمهم لأبجديات السلوك الأمني مع بعضهم بعضاً والتعامل مع عوام الناس، فضلاً عن تعاملهم مع المؤسسات الرسمية وبالذات المؤسسات ذات العلاقة كأجهزة النيابة وأجهزة القضاء الأخرى.
فمنذ غداة تحرير عدن -منتصف 2015م- طفقت الجهات التي أمسكت بالمدينة وما جاورها من المحافظات، والمعروفة بالشرعية وقيادات محسوبة على الحراك الجنوبي والمقاومة الجنوبية، ولدوافع سياسية ونفعية؛ على تهميش الأجهزة الأمنية الجنوبية الرسمية التي ظلت مُبعدة منذ سنوات، وتغييب دور الضباط والجنود ذوي الخبرات الأمنية المتخصصة -أو بالأحرى من تبقى منها- بطريقة متُعمدة وعوضا عنها تم استحداث وحدات أمنية وعسكرية جديدة كثير من أفردها لا علاقة لهم بالمجال الأمني قبل ذلك، وقد نبّهنا إلى خطورة هذا منذ نهاية الحرب في عدن مباشرة؛ كما حرصت بعض تلك القوى وبقرارات رسمية على إصباغ هذه الوحدات الأمنية بصبغة جهوية مقيتة ما تزال تُلقي بظلالها الداكنة على الوضع الأمني والاجتماعي والسياسي، لولا حالة الوعي الفطري الذي يتحلى به رجال الأمن.
صحيح أن هذه الأجهزة المستحدثة حقّقت كثيراً من الإنجازات الأمنية، وبالذات في مجال مكافحة الإرهاب والتصدي لعمليات الفوضى التي عصفت بعدن بعُيد الحرب؛ وقدَّمت تضحيات كبيرة، ولكن كان -وما زال من الممكن- أن تكون هذه الإنجازات أكثر من ذلك وبأقل كلفة مما حدث إن كان تم إشراك الخبرات الأمنية المُتخصصة السابقة واستيعابها بشكل جِدِّي، وتنوع الانتماء الجغرافي والتخصصي أكثر وأكثر لئلا تكون هناك فرصة للخصوم لبث سموم الضغائن والفرُقة.
وبالتالي قبل أن نقول إن الأمن عجز عن مهامه، نقول إن الأمن تعرض ويتعرض لأكبر عملية استهداف بقصد أو دون قصد، وأصبح بذلك ضحية قبل أن يكون مُتّهماً بالفشل، ضحية السياسة والأنانية وضحالة التفكير و”الهوشلية” المريعة التي تفترسنا بقسوة، وحالة الارتهان والتبعية للغير نظير فُتات مكاسب.

شارك

تصنيفات: رأي