محمد الثريا يكتب / من المسؤول؟

هكذا يجب أن نفهم جوهر الحدث الماثل أمامنا، وهكذا يجب أن نقرأ المعادلة السياسية التي يقوم عليها المشهد الجنوبي عامة، وينبثق منها الموقف الباهت للأطراف المعنية اليوم تجاه تدهور الأوضاع وتعطيل سير الحياة بشكلها الطبيعي داخل مناطق ومحافظات يُفترض أنها محررة منذ خمسة أعوام.
يجب أن تُدرك جيداً أن الطرف الذي لا يمتلك استقلالية اقتصادية تُمكنه من اتخاذ قرارات ذاتية تتعلق بتطبيع الجوانب المعيشة لشعبه تلقائياً؛ هو طرف عاجز عن ممارسة أي دور سياسي مؤثر، وبالتالي من الصعب الحديث عن امتلاكه القدرة على إحداث أي تغيير إيجابي على مستوى اقتصاد البلد ومعيشة الناس.. عن أن يتمكن ويتجرأ يوماً في الحديث عن قدرة فرض مشروعه السياسي ولو مستقبلاً، طالما وأنه لازال يتنفس أكسجين الراعي الإقليمي.
نعم، دعنا نتحدث هكذا بصراحة وشفافية، فهذا أمر يعلمه الجميع، ولا حاجة للمحاباة أكثر في القضايا التي تمسّ حياة المواطن بشكل مباشر.
أضع هذه الخلفية أمامك تعقيباً على حالة الجدل العريض والمُتشعِّب الذي تناول -مؤخراً- قضية “من المسؤول عن تردي الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشة بالجنوب المُحرَّر؟”.
وهنا سنفهم أن كل ما تمتلكه الأطراف المحلية مجرد حضور صوري فقط؛ أي أنها ليست صاحبة قرار في الشأن، أضف إلى ذلك أنها أطراف تفتقد لقدرة ترجمة رغباتها السياسية عملياً على أرض الواقع.
صحيح أنها تحمل صفة مكون سياسي، غير أنها مُعاقة وظيفياً، لهذا لا تتوقع أي تغيُّر ملموس في أحوال الناس قد يأتي لك من بوابة تلك المكونات.
لكن، هذا لا ينفي حقيقة أنه تقع على عاتقها مسؤولية أخلاقية، على الأقل من ناحية ضرورة إبدائها موقفاً مسؤولاً تجاه شعبها، وقبل ذلك التخفيف من حدة الخلافات السياسية بينها، اتساقاً مع إبداء ذلك الموقف.. نستطيع القول إن هذه أولوية قصوى ووحيدة بإمكان أطراف الداخل فعلها في هذا الجانب.
وللتوضيح فقط:
قانونياً ستبدو مسؤولية تسيير أمور البلد المحترب ملقاة على عاتق حكومة الشرعية كحكومة تصريف أعمال، غير أن الإيحاء، والتماهي الواضح من داعمها الإقليمي تجاه ممارسات الفساد الممنهج لأعضائها وغياب المحاسبة في ذلك، جعلها تبدو بمظهر الحكومة العاجزة والمُعطَّلة معاً.
فالكلُّ يعلم دور اللجنة السعودية الخاصة هنا في الإشراف والمتابعة، بل وتحديد طبيعة عمل وصلاحيات أعضاء تلك الحكومات، أو -بمعنى أدقّ- وجود الهيمنة الكاملة لدى تلك اللجنة، وسيطرتها كُليّاً على الأداء الوظيفي لأي حكومة يمنية، وهو ما يعني أن الصمت السعودي تجاه فساد وفشل حكومات الشرعية، طيلة الفترات الماضية وحتى اليوم، كان ضمن استراتيجية مدروسة، ولم يكن ناجماً عن عجز سعودي عن التدخل وإيقاف ذلك العبث.
الانتقالي -بدوره- أضاع فرصته الوحيدة بخصوص الاستقلال الاقتصادي والخدمي عن منظومة الشرعية والتحالف، حينما استسلم لقرار إلغاء الإدارة الذاتية، والغريب -أيضاً- أن حتى هذا القرار جاء بطلب سعودي.
المُسيطر الاقتصادي والمتحكم الفعلي بموارد بلد الأزمة، وفقاً لسلطة البند السابع وقرار التفويض هي اللجنة الرباعية المفوضة بحل الأزمة والصراع في اليمن؛ لذا فإن المسؤولية الفعلية هنا تقع على عاتق قيادة التحالف العربي في المقامين: الأول والأخير.
ولن نبالغ إذا ما قلنا إن ما يحدث اليوم من تعطيل مُفتعل لأي انفراجة ينتظرها الشارع، لازال مرهوناً بقرار سياسي تتخذه القيادة السعودية وحلفاؤها الدوليّون.

شارك

تصنيفات: رأي