صلاح السقلدي يكتب / كيف ولماذا عادت الإمارات إلى مسرح العمليات العسكرية في اليمن؟

الانكسارات العسكرية الخطيرة التي تتعرض لها قوات السلطة اليمنية المعترف بها “الشرعية” في مأرب، اضطرت السعودية إلى إحياء تحالفها مع شريكها الرئيس بالتحالف (الإمارات)، وبثّ الروح فيه من جديد بعد فتور اعترى مفاصل هذا التحالف المتيبسة، وشلَّ فاعليته على المسارين العسكري والسياسي، خصوصاً بعد أن غادرت أبوظبي مُغاضبة مسرح العمليات العسكرية قبل قرابة عامين، جرّاء تصادم سياستها مع الطرف السعودي بشأن التعامل مع حزب الإصلاح “إخوان اليمن” الذي يشكّل الكتلة المهيمنة على الشرعية، والتي يرى الإماراتيون أن دعم التحالف العسكري والمالي والسياسي للحزب، (المُصنّف إماراتياً، وكذا سعودياً) بأنه إرهابي، عطفاً على تصنفيهما لحركة الإخوان الدولية؛ هو دعم يضرُّ بالتحالف ويصيبه بمقتل، كما أنه يسمّن عضلات شريك هو في الأصل خصم لدود للبلدين ويجاهر بخصومته وبعلاقته مع معسكر الأعداء الإقليميين :” قطر وتركيا، وإلى حدٍّ ما إيران” -بحسب التخوفات والادعاءات الإماراتية- قبل أن يكون شريكاً.
فالغارات الجوية المكثفة التي تعرضت لها صنعاء ليلة السبت\ الأحد، تحملُ بصماتِ الطيران العسكري الإماراتي، وتشير إلى أن ثمّة عودة عسكرية إماراتية إلى مسرح العمليات، وبالذات الجوية، بعد يومين من لقاء جمَعَ قائد القوات المشتركة للتحالف باليمن العميد السعودي، مطلق الأزيمع، بنائبهِ الإماراتي قائد القوات البرية الإماراتية، العميد صالح العامري، المُعيّن هو الآخر حديثاً.
فبرغم أن هذه العودة العسكرية الإماراتية التي أتت بعد تفاهمات بين الجانبين السعودي والإماراتي لتدارك الأوضاع الخطيرة في مأرب، وبعد إقالة قائدَي القوات المشتركة السابقين باليمن؛ لم يتم سبر أغوارها بعد، إلّا أننا -دون شك- سنرى انعكاساتها السياسية على الأرض، مثلما شاهدنا صورها العسكرية في سماء ليل صنعاء البهيم.
فالسعودية ترى أن الوضع اليمني قد أثقل كاهلها وضاعف الأعباء المالية والمادية، وأضر كثيراً بسمعتها الأخلاقية أمام العالم، على وقع التقارير الحقوقية الدولية المزعجة، منذ أن تركتها الإمارات وحيدة تواجه مصيرها في رمال اليمن المتحركة العميقة، وباتت -أي السعودية- اليوم أكثر حاجة للعضد الإماراتي لشد أزرها، وأكثر استعداداً وتقبُّلاً للانحناء أمام ضغوطات وابتزازات هذا الشريك، وتمكينه من بعض أو كل مطالبه واشتراطاته السابقة، ما سيعني بالضرورة أننا أمام إعادة تشكيل التحالف وشركائه المحليين بقالب شراكة جديد، سيكون خصوم الإمارات، ومنهم بالتأكيد حزب الإصلاح، كباش فداء على مذبح هذه التفاهمات، وهذا الشكل الجديد من الشراكة الخليجية باليمن. لا نقول أن هذا يعني الاستغناء الكُلي عن الحزب ورجمه خلف الشمس، فهو ما يزال القوة الأكثر حضوراً على الصُّعد: الجماهيرية والعسكرية والسياسية والاجتماعية والقبيلة -وحتى الدينية- وما يزال التحالف بمسيس الحاجة له بهذا الوقت العصيب، الذي يعاني التحالف من قسوته وتعقيداته المتعبة، يصعب عليه أن يشطب الحزب وقواعده ومقاتليه وكوادره من الخارطة أو يتجاوزه الى سواه من القوى، حتى وإن أمعن بأسلوب الحذلقة والتخاذل بوجه التحالف، ولكن بالمقابل من المؤكد أن شمسه الحزبية والسياسية سيدركها الكسوف بعض الشيء، لمصلحة قوى مناهضة له إقليمياً أبرزها دون شك الإمارات، ومحليا يمتثل في:
قوى الجنوب، وفي المقام الأول المجلس الانتقالي الجنوبي وغيره من القوى الفاعلة الأخرى المتحالفة مع أبوظبي، وستسهم هذه العودة الإماراتية إيجاباً في تخفيف احتقان الوضع العسكري بالجنوب، ما سيعطي قوات وحتى الجنوبيين المنضوين تحت راية الجيش الوطني اليمني، فرصة التقاط الأنفاس وتطبيب الجراح الغائرة، كما قد تكون هذه العودة عامل ضغط على الأطراف (الطرف) المُعرقل تنفيذ اتفاق الرياض، كما أنه سيمثل عودة لنفوذ إماراتي أكثر تمدداً، وفي الجنوب بالذات، برغم حالة السخط التي يجابهها من قِبل قوى داخل سلطة الرئيس هادي وحزب الإصلاح في عدة محافظات، وبالذات في محافظتَي: سقطرى وشبوة.
وقوى الشمال ستصب هذه العودة في مصلحة حزب المؤتمر الشعبي العام وسواه من القوى المختلفة التي تحظى بالرضا والدعم الإماراتيين، فالإشكالية العصية عن الحل في الشمال ما تزال قائمة أمام التحالف، وأعني فشل هذا الأخير بإيجاد قوى سياسية وحزبية وقبَلية وعسكرية موالية له تكون محل ثقة ويمكن الرهان عليها سياسياً وعسكرياً واجتماعياً في قادم الأيام، وأن تتفوق أو توازي قوى الحركة الحوثية وشريكها المؤتمر الشعبي العام “فرع الداخل”، وتحل محلهما في حال تمت هزيمة هذا المحور عسكرياً ودحره من مواقعه -أقلها من صنعاء- وهو الأمر الذي يبدو مستحيلاً من الوجهة العسكرية، على الأقل بالمدى المنظور، أو حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية يمنية شاملة، فالشمال ظل منذ بداية الحرب بالنسبة للتحالف عصياً على أي تطويع أو اختراق حقيقي. ونتيجة ذلك ظلت الإمارات وكذا السعودية تتهيبان من أن تصير الأمور هناك إلى يد حزب الإصلاح، في كِلا الحالتين: حسماً عسكرياً أو تسوية سياسية، برغم محاولات إيجاد قوى موالية.
لهذا نرى هذا التحالف يبدو متدلياً ومشقلباً رأساً على عقب بين فكي أشواك الفخ الذي نُصبَ له، أو بالأحرى الذي نصبه لنفسه دون أن يعلم، نتيجة لسوء تقديره لحقيقة قاعدة البيانات المعلوماتية الاستخباراتية المغلوطة والمُضلِّلِة التي اعتمد عليها في اتخاذ قرار تدخله العسكري باليمن في نهاية مارس 2015م، ونتيجة الخلافات التي تفترسه بقسوة، يسعى اليوم للإفلات من شباك هذا الفخ ومن أشواكه، من خلال إعادة بث روح ثقة التعاون والثقة المفقودة من جديد، وترميم ما صدعته هزات السنين الخوالي.
إذن ما نراه اليوم من مراجعة سعودية وتقييمها لمآلات الحالة المتعثرة كان أمراً متوقع الحدوث، فالرياض أدركتْ أن الاستمرار بالتفرد بمعالجة هكذا أوضاع مريعة ومعقدة لن يفضي إلّا إلى مزيد من الفشل والتورط والكُلفة الباهظة وانسداد أفق التسوية السياسية المنتظرة، ولو أن صحيفة الشرق الأوسط السعودية قالت يوم الأحد أن المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، سيتوجه إلى العاصمة السعودية الرياض هذا الأسبوع للقاء ممثلي الحكومة اليمنية، وبحث “المسودة الأخيرة” للإعلان المشترك لوقف إطلاق النار الشامل، وبدء المشاورات السياسية لحل النزاع الدائر منذ ست سنوات؛ وأن النزول من علو الشجرة التي ارتقت إليها ذات يوم هو القرار الأسلم لها، ورأت أن هذا النزول لن يتأتى بسُلّم إماراتي متين، خصوصاً أن الإمارات منذ إعلان تطبيعها المثير للجدل مع إسرائيل سيكون لها في قادم الأيام في نظر الرياض شنّة ورنّة بالساحة الدولية، بعد أن نالت من بوابة التطبيع ودّ ورضا شُرطيي العالم وفتوَّتَيهِ: ترامب ونتنياهو، وبينهما يقف حليفهما المشترك مهندس صفقة القرن وعرّاب عملية التطبيع المريبة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي” كوشنر” .

شارك

تصنيفات: رأي