عفراء الحريري يكتب / منظومة الفساد في اليمن ضعف أضعاف مساحتها

كعادتي اليومية في متابعة الأخبار، أبكاني خبر عاجل:
“استقالة الحكومة اللبنانية”، بالتأكيد ليس هذا الخبر الذي أغرق عينيّ بالدموع، بل عبارة في خطاب رئيس الحكومة (حسان دياب): “منظومة الفساد في لبنان أكبر من الدولة، وظهر ذلك في انفجار بيروت”، ترى يا حسان إن شديت رحالك إلى اليمن، ماذا ستقول عن الفساد فيها؟!، ولأني أحترم شجاعتك وتقديراً لانتمائك لوطنك لبنان، لا أريدك أن تسافر إلينا وأن تأتي إلى اليمن؟! آه إن علمت عن الفساد فيها، وأن الطبقة السياسية لم تهدر المال العام فحسب، بل التهمت جزءاً كبيراً لا نتخيله نحن الشعب من الثروة، ليس من الأمس القريب، إنه كما قلت في خطابك متجذّر، ولم يعد ينمو من أسفل إلى أعلى، بل في كل الاتجاهات رأسياً وأفقياً وفي كل الزوايا، ودائري أيضاً، لذلك كثيرٌ منا يخشى الحديث عن الفساد، ليس خوفاً من السلطة أو غيرها، إنما لأنه يمارس الفساد بشكل آخر وطريقة أخرى، ونحن لم يُحمَّل عندنا أحد مسؤولية الفساد في كل الحكومات المتعاقبة، على العكس يتم نسخه من حكومة لأخرى، إلا من رحم ربي من الأفراد، كي لا أظلم أحداً، قد يكون نزيهاً/ة في إحدى الحكومات، واستمر يورث، ثم ينقل، فينتشر؛ وجميعهم/هن حين يخطبون/ن ويتحدثون/ن، لابد أن تشمل خطبهم/هن أنه من أجل الوطن/اليمن، وأحياناً من أجل الجهة الجغرافية” شمالاً أو جنوباً أو من أجل المحافظة!
أنتم في حالة السلام والفساد يحدث في مثل هذه البلدان العربية، وهذا طبيعي إلى حدٍّ ما، لكن نحن، وما أدراك ما نحن؟، نحن يعشعش الفساد عندنا سلماً وحرباً، فالطبقة السياسية والعسكرية والأمنية عندنا تطيل عمر الحرب عن عمد لتطيل عمر فسادها في السلطة، ولديّ أدلة كثيرة على هذا، لن أذكر كيف صار لديهم/هن حسابات في البنوك خارج اليمن، أو بيوت أو قصور أو سيارات أو مدن أو…. إلى آخره، لا على الإطلاق، فدليلي زيادة أعداد الفقراء واتساع رقعة الجوع وارتفاع الأسعار وتعداد الجهل والبطالة وانتشار الأمراض وحجم الذل والتبعية للتحالف العربي، وسوء الخدمات وانعدام البنى التحتية وتردي الأوضاع وتكدس الثروة في أيدي حفنة من أفراد السلطة الحاكمة، منذ ما قبل الحرب، وانهيار الخدمات الصحية وتردي التعليم وانحدار التربية، والاعتماد على تبرعات الإمارات والسعودية وفتات وكالات الأمم المتحدة، وديون البنك الدولي، ولدينا من الثروات المتعددة والمتنوعة من طبيعة ونفط وذهب وغاز وأسماك وأحياء بحرية وثمار وأرض، وأقسم بالله أنه حتى لدينا ثروة بشرية؛ ولم يتوقف فساد هذه النخب الحاكمة في جميع السلطات هنا طيلة تلك الفترة الزمنية، قبل الحرب وبعد الحرب، بل أصبح يتم بمشاهدة وعلم ومعرفة الأجهزة الرقابية في الدولة وشبه الدولة وغياب الدولة، وهو بالنسبة لتلك الأجهزة أمر بديهي بما فيها هيئة مكافحة الفساد؟!
ولم يقتصر الفساد على بيع مصانع وشركات القطاع العام بثمن بخس، وبالمجان في بعض الأحيان، كما حدث في جنوب اليمن، أو إسناد صفقات لمشروعات ضخمة وحيوية، كالنفط، في الدولة الهشة ذات النظام القبلي (الجمهورية اليمنية)، والتي تقدر كلفتها بمليارات الدولارات لصالح شركات عالمية، بالأمر المباشر وبالمخالفة للقانون ودون إجراء مزايدات ومناقصات، وحصول كبار المسؤولين من ذات القبيلة والمقربين بالمقابل على رشاوى وعمولات ضخمة من الشركات المستثمرة الأجنبية المسندة إليها تلك المشاريع الكبيرة، والتي بدورها تحوّلها مباشرة إلى حساباتهم المصرفية خارج حدود هذا الوطن المنسي، فقد تعدى الفساد ذلك بكثير إلى مستوى التفريط في أراضي الدولة وجزرها وموانئها وأصولها وتاريخها وحضارتها وعملتها…
ونتيجة لذلك الفساد، ارتفع سعر كل شيء، وتحديداً الخدمات: زيادة في تكلفة الماء والبترول والكهرباء والغاز والمواصلات، ولم يحدث أيّ تحسّن حتى وإن كان طفيفاً في الرواتب والمعاشات، ماعدا رواتب تلك النخبة والطبقة السياسية التي تستلم راتبها بالعملة الصعبة (دولار أمريكي أو ريال سعودي أو درهم إماراتي)، مقابل تراجع فظيع وبشع على موازنة/ مصاريف التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية ومشاريع البُنى التحتية، من شبكات طرق وصرف صحي وكهرباء، هذا بالطبع إذا لم تدخل دوامة فساد أخرى، كما أني أضيف لك أن الفساد لدينا صار شبيهاً بالأوبئة ينتقل على مستوى المديريات والأحياء السكنية، ولا أنسى المرافق الحكومية، صارت العدوى أمراً حتمياً، ولا تستغرب إن وجدت فتوى دينية أو قانونية تحلِّل هذا الفساد في اليمن؛ فقد كان من أوائل المصابين به رجال الدين، والقضاة أيضاً.

شارك

تصنيفات: رأي