صلاح السقلدي يكتب / حيلة تمثيل الجنوب

لماذا لم نسمع عن مطالبات بالنسبة لمحافظة تعز وصنعاء وصعدة وإب والحديدة ومأرب وغيرها من محافظات الشمال في تشكيلة الحكومة القادمة كما نراه في محافظات الجنوب؟ الإجابة ببساطة لأن الجهة التي تمنع حصول ذلك في محافظات الشمال هي نفس الجهة التي تتذاكى بالجنوب وتتعرى أمام الجميع دون أن تدري، والغرض من ذلك واضح ولا يحتاج الفراسة لاكتشافه، فالحكومة المزمع تشكيلها هي أول حكومة منذ ربع قرن سيتم تشكليها -إن تم ذلك فعلاـ بطريقة المناصفة (شمال وجنوب)، رغماً عن الطرف الرافض، ولهذا فلا غرابة أن نرى هذا الهيجان والانزعاج وحالة الصرع تستبد بقوى ما تسمى بـ”الشرعية”، وتقوم بحملة تشويش على جوهر وطبيعة تشكيل الحكومة، ليس فقط لسحب جزء كبير من نسبة الجنوب (المجلس الانتقالي)، ومنحها لكيانات مُستنسَخة ولشخصيات جنوبية تؤدي دوراً سياسياً وحزبياً مزدوجاً (مفشوخ) بين الولاء السياسي الحزبي وبين انتماء جغرافي جنوبي، يتم توظيفه بشكل فاضح ومقزّز في خدمة الحزب والسياسة والمصلحة النفعية الشخصية، ولاستهداف الجنوب بالمحصلة النهائية عند كل استحقاق سياسي للجنوب. تفرّسوا جيداً بوجوه الأشخاص الذين يؤدون هذه المهمة الموسمية وستعرفونهم بسيماهم السياسي والحزبي والنفعي، ومشاريع الجهات التي تكلفهم بمثل هكذا مهمة.
من المعيب أن يتخذ البعض من أوجاع أبناء محافظاته وسيلة للاسترزاق الشخصي، وهو الذي ظلّ شريكاً في الظلم، وصامتاً صمت القبور سنوات، أو يجعل من هذه المحافظة أو تلك ورقة ابتزاز سياسي موسمي مدفوع المكسب والمنصب بيد الغير كلما طُــلب منه ذلك. وربما لن تكون مهمتهم الموكلة لهم اليوم لإضفاء الضبابية على الحكومة المقبلة هي آخر المهام، مثلما لم تكن مهمتهم قُبيل توقيع اتفاق الرياض هي أولى مهامهم حين شدّوا الرحال إلى الرياض بأسماء محافظاتهم المنكوبة بهم وبأساليبهم المخزية، وبأسماء أحلاف قبائلهم، وشيوخ تحت الطلب، وكانت خيبة المسعى مُجلجلة.
فهل سمعتم عن نسبة للمحافظات اليمنية -جنوبية أو شمالية- في التشكيلات الحكومية السابقة منذ عام 90م وحتى اليوم؟ أبداً لم نسمع، وهذه الحقيقة تدحض التزوير والاحتيال وتفضح المهزلة وحفلة الزار الصاخبة التي ترفع عقيرتها قوى وأذناب سلطة على حقوق ومظالم محافظات، هي من مارست على هذه المحافظات وأبنائها أبشع صور الظلم وأفظع أساليب العَسفِ والطغيان، سامت الناس -زرافات ووحداناً- عسفاً وخسفاً طيلة ربع قرن من الزمن، لم تهتزّ لهؤلاء اللصوص والفسدة شعرة، ولا كلمة تضامن أو تطييب خاطر الضحية بوجه الظَّلَمة والنهابين، بل إن كثيراً من تلك القوى والشخصيات النافذة، ومنها الفئة الجنوبية النفعية، منذ غزو 94م كانت تستشيط حنقاً وغضباً من أي حديث عن مظلمة في هذه المحافظات، معتبرة ذلك من صنع إعلام شرذمة انفصالية حاقدة.
ومع ذلك فيجب ألا تحجب عنا غبار المزايدة ونقع الاسترزاق وكثافة المكائد مهمة مواصلة نُصرة هذه المحافظات وانتزاع حقوقها، ليس فقط لقطع دابر الفتنة ولفضح التآمر، بل لتأخذ هذه المحافظات حقوقها في السلطة والثروة، والقرار، ولتكن البداية من عدن بتمكين أبناء عدن من كل المواقع المحلية ومنحهم حقوقهم في المواقع السيادية كذلك، ابتداءً من منصب المحافظ وحتى مدير بلدية مديرية، مروراً بمدراء عموم المديريات ومكاتب الوزارات في الأمن والتربية والميناء والمصافي وشركات النفط والغاز والنقل والضرائب والمالية والأسماك، والإشراف على منظمات الإغاثة والدعم المحلية والدولية، وسائر المواقع الأخرى، فهذا هو المَحكّ الحقيقي لتمكين الضحايا من حقوقهم المسلوبة، وهذا هو الاختبار الصادق الذي سيكشف الأقنعة ويطرحها أرضاً. وكذا الحال في محافظة حضرموت التي يجب أن ينطبق عليها ما تم ذكره سلفاً عن محافظة عدن، مُضافاً لها ثرواتها النفطية والغازية والمعدنية والسمكية؛ لتصير بيد أبناء المحافظة وتحت تصرفهم بدرجة أساسية في التصرف، هنا سيبرك فيل النهابين، وينوخ جمل اللصوص بقوامه الأربع. فقوى النهب لم ولن تفهم من حضرموت وسائر الجنوب سوى أنها أرض لا إنسان.. وتمكين المحافظات الأخرى من حقوقها بذات الطريقة.
وحتى خرافة إقليم حضرموت المزعوم، فهو ليس أكثر من حيلة لئيمة لتصفير عداد النهب وإعادة تركيب ترمومتر الهيمنة التسلطية، لنهب ثروات المحافظة، وإعادتها ثانية لبيت الطاعة الوحدوي. انظروا إلى خارطة جغرافيا هذا الإقليم المزعوم، فهو لم يقف عند حدود حضرموت الجغرافية التي نعرفها، بل تجاوزه جغرافياً، شرقاً وغرباً وبحراً، إلى (شبوة والمهرة وسقطرى)، لئلا تنفرد حضرموت بنفسها وتفلت من يد النهاب والحلاب، كما أن إقليم حضرموت المزعوم في شقه السياسي الخبيث تم نسجه لفصل حضرموت عن الجنوب، لطمس القضية الجنوبية ولتخطي ثنائية الجنوب والشمال التي حشرتهم بزاوية الإدانة، والتي هي في الأصل من نتاج حربهم العبثية عام 94م.

شارك

تصنيفات: رأي