محمد بالفخر يكتب / “مليونية” أصحاب السبت

يوم السبت الماضي، أقيمت في مدينة المكلا حاضرة حضرموت، فعالية للمجلس الانتقالي أطلق عليها كالعادة مسمّى “المليونية”، وحتى هذا المسمى إذا أمعنّا النظر ففيه من التدليس الشيء الكثير، فإجمالي سكان حضرموت -حسب آخر إحصاء رسمي- ربما تجاوزوا المليون الواحد، ولنقل قرابة المليونين برجالهم ونسائهم وأطفالهم وشبابهم وعجائزهم الأصحاء والمرضى.
وإطلاق وصف المليونية على الفعالية يعني أن نصف سكان حضرموت شاركوا فيها، فهل يُعقل هذا الأمر؟! ناهيك عن أن الشارع الذي استضاف هذه الفعالية لا يزيد طوله عن 300 متر وعرضه لا يتعدى الاثني عشر متراً، ولنفترض أنه 500 متر، بزيادة 200، فهل سيستوعب هذا العدد الكبير (مليون)، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً؟! لكن الحقيقة إذا افترضنا المساحة الإجمالية 500×12= 6000 متر مربع، وكل متر مربع يتسع لأربعة أشخاص تحدياً لكورونا وللتباعد الاجتماعي، فالهدف أكبر والصحة وانتشار العدوى لا تساوي شيئاً أمام الهدف، يمرض من يمرض أو يموت من يموت فلا مشكلة!
فبالتالي يصبح الإجمالي على حسابنا المبالغ فيه 24000 نسمة، ولا ندري هل كلهم من حضرموت، أم أن فيهم عدداً آخر من الوافدين إليها، سواء حديثي عهد أم من قادم الأزمان الغابرة الذين هم أنفسهم لا يعترفون بحضرميتهم.
فالسؤال البدهي الذي يطرح نفسه: هل هذا العدد هم من يقررون المصير نيابة عن أكثر من عشرة ملايين حضرمي في داخل حضرموت وفي مشارق الأرض ومغاربها؟!
رغم أن الأربعة والعشرين ألفاً في حدّها الافتراضي الأعلى، وأما حقيقة العدد الفعلي فمن السهولة بمكان معرفته عبر المطاعم التي تم التعاقد معها لتقديم وجبة الغداء لهذه الجموع الثائرة، فعندهم الخبر اليقين، وكذلك عند سائقي الباصات الناقلين لهم، وأما باعة القات فلا يمكن الاستدلال بالعدد من خلال حجم مبيعاتهم في ذلك اليوم لاختلاف تخزينة عن تخزينة ومخزِّن عن مخزن.
على كل حال لن نجادل كثيراً في هذه الجزئية ولن نقف عندها، لكن وقفتنا عند نقطة الادعاء بأحقية التمثيل الحصري والوكالة الشرعية بالتفويض، فحضرموت كغيرها من المحافظات الجنوبية والشرقية تعجّ بالمكونات السياسية والحزبية والكيانات القبلية ومنظمات المجتمع المدني، ولها تاريخ عميق في نشوء الأحزاب والنقابات، وكلٌّ له رؤيته وبرنامجه في كافة المسارات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلماذا يفرِضُ فصيل أو مكون سياسي رؤيته على الآخرين؟ ويقصي سواه حتى عن حق التعبير واحترام الرأي الآخر، وهكذا يتكرر مشهد ما قبل نصف قرن (أنا قومي وبن قومي وكلّ الشَّعب قومية)، وإذا بالنتيجة صراعات دموية لم تنته آثارها حتى اللحظة.
والخوف -إن بقينا تسوقنا هذه العقليات- من ألا تنتهي، ألا نعتبر من أحداث الزمان ونترك مساحة للتفكير برويّة، وخاصة نحن أبناء حضرموت، الذين نعيش على ذكرى إرث أجدادنا التاريخي، الذي مازال يحمل انطباعات حسنة لدى المؤرخين بنصاعة السلوك الحسن والألفاظ الطيبة الجميلة، التي -حتى هذه الأخيرة- تلاشت لدى الكثير من رواد التواصل.
بطبيعة الحال، استمتع المشاركون في فعالية السبت، وخاصةً القادمين من خارج المكلا بأجواء موسم البلدة السياحي وبرودة بحر العرب العجيبة في هذه الأيام، ولكنها لم تحقق ما طمح فيه مُنظِّموها، فكانت الدعوة من الشقيقة المملكة العربية السعودية لممثلين من حضرموت للمشاركة في المفاوضات الجارية، وكذلك وفود من المناطق الأخرى. ونتمنى أن يكون هذا مؤشراً إيجابياً بأن الأمور ستسير في الاتجاه الصحيح، وليس كما يطمع الحالمون بإعادة عجلة التاريخ إلى ما قبل نصف قرن من الزمان.
عقلية التفويض يجب أن تنتهي، فأعمالكم دلّت عليكم والواقع عرّاكم تماماً، فلمّا وجدتم الناس بدأت تفيق من أحلام وعودكم تريدون تفويضاً تقضون به، رسمياً وبالقانون، على من يمكن أن يبدي اعتراضاً على ممارساتكم.
أعتقد أن الناس أصبحت أكثر وعياً، وأما الحشد للبسطاء طمعاً في وجبة غداء أو نقلة بالباص للاستمتاع بموسم البلدة، فقد أصبحت مسرحية مملة وقديمة ولن تُجدي نفعاً، ولو خرج هذا الحشد بمطلب واحد وبالإمكان تحقيقه من باب “من أجل عين تُكرم مدينة”، ألا وهو فتح مطار الريان لاستطاعوا كسب ثقة الأغلبية الصامتة.

شارك

تصنيفات: رأي