محمد بالفخر يكتب \ تطبيع بلا بريك

أتذكّر، في نهاية 1989م التقيت بالسياسي والدبلوماسي الأسبق، والصديق العزيز الأستاذ صالح محمد حليس اليافعي أبو عبدالرحمن، أمدّ الله في عمره، وقد كان موسوعة تاريخية عن فترة الرفاق السوداء، فكان مما تحدث عنه، إنه في إحدى جلسات التثقيف الحزبي للرفاق كان أحد المحاضرين الزائرين لهم يحاضر عن الأممية الشيوعية، وكيفية التآخي بين الرفاق في أنحاء العالم، ولا يحدهم حدود أو جنسية أو غير ذلك (ولاء مطلق)، فقال على سبيل المثال إن الشيوعي الإسرائيلي أقرب إلينا من العربي غير الشيوعي، فانتبه الرفيق علي عنتر وتحركت فطرته، وقال له بلهجته، مقاطعاً إياه: “ايش تقووول يا رفيق؟.. شوف الإسرائيلي هو عدونا، يطلع شيوعي أو غير شيوعي ايش تشتينا نقول للناس؟”.. فطرته التي ولِد عليها جعلته يعمل حساب للناس وردة فعلهم.
وبعد مغامرة الرئيس المصري أنور السادات، في نوفمبر 1977 وزيارته للقدس المحتلة، وما تلى ذلك من معاهدة العار في كامب ديفيد، التي جلبت للأمة الويلات والنكبات.
فقد كان لرفاق الحزب الاشتراكي، الحاكم لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، حينها موقفاً مشرفاً مع بعض الدول العربية الأخرى، بإنشاء جبهة الصمود والتصدي؛ رفضاً لكامب ديفيد، ولكافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني.
نحن نعلم جميعاً ماذا جرى بعد اتفاقية الكامب من هرولة بعد التطبيع، فلم تنفع المقاطعة، ولا نقل مقر جامعة الدول العربية، ولا تغيير أمينها العام، فقد أبدع الشاعر العراقي الحُرّ أحمد مطر في تشخيص الحالة والتنبؤ بما هو قادم في قصيدته الشهيرة (الثور والحظيرة):
“الثور فرّ من حظيرة البقر
فثارت العجول في الحظيرة
تشكو فرار قائد المسيرة”..
إلى أن قال:
“لم يرجع الثور،
ولكن ذهبت وراءه الحظيرة”.
لكن الشعوب العربية الحية رفضت التطبيع بكافة أصنافه، وإن حاولت بعض القنوات وبعض الإعلاميين تزيين الأمر، وقلبت الأمور لتنطلي على ذاكرة الشعوب.
اليوم يحاول الانتقالي الإتيان بما لم تأتِ به الأوائل، وعلى لسان أحد قياداته المتصدرة لمشهد القضية الجنوبية، بمغازلة الكيان الصهيوني والاعتراف بعملية اغتصابه لأرض فلسطين السليبة؛ لتحقيق مبتغاهم، ناسفين أهداف السنّة ومقاصدها، التي كان يرددها لسنوات مضت قبل لمعان بريقه.
يضحكون على البسطاء بالشعارات الجوفاء، نحن لا نعادي أحداً، إلا من يعادي الجنوب، مَن أوصل الجنوب لهذه الحالة المزرية غيركم؟! من شق صف الجنوبيين بينهم البين؟! وقسم الناس: هذا معنا فهو وطني، ومن انتقدنا فهو عميل وداعشي وإخواني وعدو للقضية؟!
من يختطف الناس من منازلهم فيخفيهم في سجون أسياده، أو يعيدهم جثثاً هامدة؟! من يسرق المليارات قبل أن تصل للبنك، ثم يقتسمونها بينهم، كقُطّاع الطرق، والناس تموت جوعاً وحرّاً ومرضاً؟!
وأما إعلاميو الخمسمائة، فلن يترددوا في قول ما يُملى عليهم، وبزيادة مجانية حسب الطلب.
قضية الجنوب لن تُحلّ بهذا الانحدار، والشعب الأبي لن يقبل بمن يتاجر بقضيته، ولن يتيح للمتسلقين الوصول لمبتغاهم، فقضايا الأوطان ومستقبل الشعوب لا يمكن تركها للعابثين والانتهازيين، وإلّا فعلى الدنيا السلام.

شارك

تصنيفات: رأي