الجزر اليمنية والأطماع السعودية الإماراتية (تقرير)

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية
لم تكن الأطماع الإماراتية السعودية في اليمن خافية من الأشهر الأولى لتدخلهما العسكري في السادس والعشرين من مارس 2015، تحت ذريعة دعم الشرعية في مواجهة الحوثيين، حيث عمدت الدولتان إلى إنزال قوات عسكرية للسيطرة على الجزر والأراضي المطلة على الممرات المائية في البحرين الأحمر والعربي وخليج عدن، الأمر الذي يكشف أطماعهما والمغزى الحقيقي من تدخلهما العسكري، والذي يتمثل في السيطرة على ثروات اليمن ومقدراتها شمالا وجنوبا، برا وبحرا.
مثّل الموقع الاستراتيجي الفريد لليمن اللقمة التي سال –ويسيل- عليها لعاب القوى الدولية قديما وحديثا، وذلك نظرا لامتداد شريطها البحري لمسافة 2500 كيلو متر على البحرين الأحمر والعربي، وتحكمها بالممر الدولي في هذين البحرين، بالإضافة إلى إطلالتها المباشرة على مضيق باب المندب، المضيق الأهم في العالم، نظرا لكونه الممر الذي يربط بين الشرق والغرب، علاوة على مرور نفط الخليج عبره، ولذا لم يكن من المستغرب أن تظهر مثل هذه الأطماع من قبل السعودية والإمارات، وهما الدولتان المعروفتان بنشاطهما التوسعي، وخاصة السعودية التي لم تكف عن أطماعها في اليمن منذ بداية تأسيسها.
بالإضافة إلى احتلالهما للموانئ والسواحل اليمنية من حدود عمان حتى المخا، احتلت السعودية والإمارات معظم الجزر اليمنية البالغ عددها مائةً واثنتين وثمانين جزيرة، تقع في خليج عدن، والبحر الأحمر، والبحر العربي، كما عملتا على إنشاء قواعد عسكرية في أهم هذه الجزر، الأمر الذي يعزز ويكشف حقيقة الأطماع والهدف الحقيقي من التدخل العسكري الذي حمل لافتة دعم الشرعية، فيما الواقع يقول خلاف ذلك.

الجزر اليمنية التي احتلتها السعودية
تسيطر السعودية سيطرة مباشرة على عدة جزر في ميدي والمناطق المجاورة لها والواقعة حولها، ومن هذه الجزر: الدويمة، وبكلان، وجزر الفشت، وذو حراب، والطواق، والعاشق، وبري، ودافع، وسانا، التي تعتبر أبرز الجزر القريبة من ميدي وتقع على المنطقة الحدودية مع السعودية، وقريبة من الممر الدولي، وذو حراب هي آخر الجزر الواقعة على الحدود البحرية مع السعودية، وتعتبر الأقرب غرباً من ممر اللؤلؤة الدولي.
تعد جزيرتا الدويمة وبكلان من أهم الجزر في هذا القطاع، البالغ عددها 52 جزيرة، وتعود الأطماع السعودية في الجزيرتين إلى فترات سابقة، وذكرت مصادر إعلامية في وقت سابق أن مواجهات شهدتها الجزيرة في يوليو 1998م بين البحريتين اليمنية والسعودية، حيث دخل جنود من البحرية السعودية إلى الجزيرتين وقاموا بنصب خيام فيهما غير أن قوات خفر السواحل اليمنية حينها أحرقت الخيام، ودارت مواجهات عنيفة أسفرت عن انسحاب القوات السعودية تحت مظلة اتفاقيات ترسيم الحدود.
وتبلغ مساحة جزيرة الدويمة نحو 7.6 كم مربع، وتبعد عن شاطئ ميدي بمسافة قدرها 300 متر، وتعتبر من أفضل الجزر المؤهّلة للتنمية.. أما جزيرة بكـلان فتقع إلى الغرب من مدينة ميدي، وتبلغ مساحتها نحو 8 كم مربّعة، وتبعد عن الساحل اليمني نحو 20 ميلاً بحرياً، ويشتغل سكانها بالصيد، وبعد الحرب الأخيرة عام 2015م حولت السعودية الجزيرة إلى قاعدة عسكرية، ومكان لتجميع الألغام البحرية التي كانت مزروعة في سواحل ميدي، وتقوم بعملية تفجيرها على أيدي خبراء متفجرات تابعين للهندسة العسكرية في الجيش السعودي.
جزيرتا حنيش الكبرى والصغرى، وجزيرة زقر، من أكبر الجزر اليمنية في البحر الأحمر، وتقع الجزر الثلاث ضمن قطاع حنيش، الذي يضم 33 جزيرة، وقد سيطرت السعودية على هذه الجزر منذ وقت مبكر من تدخلها في اليمن، حيث احتلت جزيرتي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى وجزراً صغيرة محيطة بهما، في ديسمبر من عام 2015، وتتواجد قوات سعودية خاصة في جزيرة حنيش الكبرى، فيما يتردد ضباط من جنسيات مختلفة على الجزيرة بين فترة وأخرى. وبحسب معلومات من مصادر مطلعة، تقوم قوات بحرية سعودية بمنع التواجد في محيط الأرخبيل وتستهدف أي قوارب صيد تقترب منه، في حين تمشط مروحيات الأباتشي المنطقة المحيطة بالأرخبيل بشكل يومي، ويستهدف الطيران الحربي قوارب الصيد في تلك المنطقة.
وتبعد جزر أرخبيل حنيش عن الساحل اليمني 26كم، وعن باب المندب بمسافة 135كم، يعتبر هذا الأرخبيل استراتيجياً؛ لموقعه وسيطرته على ممر الملاحة الدولية، بحكم مروره بين أرخبيل حنيش والسواحل اليمنية، ولهذا اكتسبت مجموعة الجزر المذكورة أهميتها الاستراتيجية العالمية وليست المحلية فقط.
وبعد ثلاثة أيام من سيطرتها على جزر أرخبيل حنيش، سيطرت السعودية على جزيرة جبل زقر الاستراتيجية، والتي تعتبر الأهم بين جزر هذا القطاع، بحكم كبر مساحتها واحتوائها على جبال يصل ارتفاعها الى 430م، وتطل على السواحل اليمنية والممر الدولي للملاحة، والسيطرة على هذه الجزيرة تعطي المسيطر قوة للتحكم، أما مساحة جزيرة زقر فتبلغ 65ميلا مربعا، وهي تصلح لتكون منتجعات سياحية أو قواعد بحرية للسيطرة، وقد سبق وأن حاولت ألمانيا بناء فندق متوسط فيها، لكن سوء أحوال اليمن اضطرها إلى إيقاف العمل، واستُخدِم المبنى بعد ذلك سكنا للحامية العسكرية.

الإمارات والجزر اليمنية
بصورة أكثر جلاء، تصاعدت حمى التسابق بين السعودية والإمارات على احتلال الجزر اليمنية، ففي وقت كان للسعودية أطماعها، تجلت أطماع الإمارات بشكل أكبر وأكثر استفزازا حتى للسعودية نفسها، فبالإضافة إلى سيطرتها الفعلية على الموانئ اليمنية المطلة على البحر العربي، وخليج عدن مثل: ميناء عدن في المنطقة الحرة، وميناء بلحاف لتصدير الغاز بمحافظة شبوة، وميناء الضبة لتصدير النفط بالمكلا -عاصمة حضرموت- وصولا إلى ميناء المخا على البحر الأحمر، كان للإمارات أنشطتها الموازية في البحر، للسيطرة على الجزر اليمنية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، حتى تلك التي لم تشهد حربا ولم تصل إليها آثار الأحداث التي أعقبت انقلاب الحوثيين على سلطة الرئيس هادي، وكانت البداية من جزيرة سقطرى اليمنية الواقعة في المحيط الهندي، وتعود أطماع الإمارات في جزيرة سقطرى إلى قبل حوالي عشر سنوات، حيث سعى رجل الأعمال محمود فتح آل خاجة، لشراء أراضٍ في الجزيرة تجاوزت مساحتها كيلومترات، وبملايين الريالات وأهدى مسؤولين سيارات لكسب ولائهم وتسهيل نشاطه.
وفي نوفمبر من عام 2015 م بعد تعرضها لدمار وخسائر بفعل إعصاري تاشابلا وميج، دخلت الإمارات إلى الجزيرة من الباب الإنساني، إلا أن مخططاً آخر كان يتجه صوب شراء كم هائل من الأراضي السقطرية بواسطة الشخصية الإمارتية “أبو مبارك”، الذي أصبح بمنزلة حاكم سقطرى، والذي سهّل بالتواطؤ مع السلطة المحلية بيعها لرجل أعمال إماراتي.
واشترى مندوب الإمارات أراضي في محمية “دكسم”، رغم أنها محمية ولا يجوز بيع أراضيها، فاليمن وقّع عام 2003 مع اليونسكو قرارا يقضي بأن سقطرى محمية طبيعية، يُمنع فيها البناء، خصوصاً في مناطق المحميات، وينص القرار الصادر في 18 ديسمبر 2013، على أن “الاستثمار والتنمية في أرخبيل سُقطرى من مسؤولية الدولة والرأسمال الوطني فقط، ويُمنع بيع أو تأجير أي جزء من أراضي أرخبيل سُقطرى لأي دولة أو مستثمر أجنبي”.
ومع دخول الإمارات إلى سقطرى من بوابة المساعدات الإغاثية والأعمال الإنسانية في العام 2015، كانت الإمارات تعمل في الوقت ذاته على إنشاء قاعدة عسكرية تابعة لها في الجزيرة، وفي 30 أبريل من عام 2018، نشر الجيش الإماراتي أكثر من مائة جندي، بالإضافة إلى مدفعيات ومدرعات في أرخبيل سقطرى اليمني الواقع في بحر العرب، بدون تنسيق مسبق مع الحكومة.
وكانت الدفعة الأولى التي أرسلها الجيش الإماراتي باتجاه الجزيرة عبارة عن طائرة عسكرية تحمل أكثر من خمسين جندياً إماراتياً واثنتين من المركبات المدرعة، ثم تلتها دفعة ثانية تتكون من مجموعة من الطائرات العسكرية والكثير من الجنود الإماراتيين والدبابات وغيرها من المركبات المدرعة.
بعد وقت قصير من الهبوط، طردت القوات الإماراتية القوات اليمنية ورفض الجيش الإماراتي دخول الجنود اليمنيين المتمركزين في مختلف مناطق الجزيرة لحمايتها، من قبيل مطار سقطرى وموانئها؛ وما زاد من توتر العلاقات بين الدولتين رفع علم الإمارات العربية المتحدة فوق المباني الرسمية الحكومية في حديبو.
لم تكن سقطرى هي محور أطماع الإمارات، ففي الوقت نفسه الذي كانت تعمل فيه على إحكام قبضتها في سقطرى، كانت يدها الأخرى تعمل لبناء قاعدة عسكرية في واحدة من أهم الجزر في اليمن، من حيث موقعها في وسط الممر الدولي في مضيق باب المندب، وهي جزيرة ميون، والتي سيطرت عليها الإمارات في أواخر سبتمبر عام 2015، بعد أن تمكنت من دحر الحوثيين منها، ورغم العمل في إنشاء القاعدة العسكرية على هذه الجزيرة منذ وقت مبكر من عام 2016، عقب سيطرتها عليها، فإنها لم تعلن عن القاعدة إلا عند افتتاحها في إبريل 2017.

تعارض الأجندات
أطماع الإمارات في سقطرى وتحويلها إلى قاعدة عسكرية مغلقة، فتح شهية السعودية لإنشاء ثلاث قواعد عسكرية تابعة لها في مناطق مختلفة، منها قاعدة في جزيرة سقطرى والخاضعة كليا لسيطرة القوات الإماراتية، وأخرى في قاعدة العند الجوية بمحافظة لحج (60 كم شمال عدن)، وثالثة في محافظة حضرموت جنوب شرقي البلاد، ليظهر الحليفان في منحى تنافسي واضح، فثمة صراع علني على النفوذ وتقاسم المحميات، لكن الإمارات ترفض تلك المساعي السعودية.
وتشير المعلومات إلى أن ثمة توتراً بين الإمارات وسلطنة عمان؛ فالأخيرة ترفض تواجد أبو ظبي ضمن مجالها الحيوي، كما يلحظ التوتر بين سلطنة عمان والمملكة السعودية، وينعكس بشكل واضح في محاولات السعودية تعزيز تواجدها العسكري في المهرة، والذي تعارضه الإمارات بصورة أو بأخرى.

شارك

تصنيفات: الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير

وسوم: ,,,,,,,