حرب اليمن ورحيل السلطان قابوس يكشفان الخلافات العمانية السعودية (تقرير)

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية
غابت السعودية عن مراسيم عزاء السلطان قابوس بن سعيد، وتجاهلت إعلان الحداد على رحيله ولو لساعات، وهو ما يٌثبت أن سياسة الراحل أصابت أهدافها، وأفشلت مخططات السعودية خلال خمسين عاماً من حكمه.
كما أنها إيذان باستمرار النهج نفسه بين الطرفين، حيث ستواصل “عُمان ما بعد قابوس” مسيرتها الدبلوماسية الراقية، بينما يٌصر النظام السعودي على إقحام أنفه في شؤون السلطنة الداخلية.
أما حرب التحالف في اليمن فقد كشفت النقاب عن كثير من فصول الخلافات والصراعات الدائرة بين البلدان الخليجية، والتي ظلت متوارية تحت عباءة الدبلوماسية المفرطة لعقود طويلة.
ويقول محللون سياسيون إن الهوة السحيقة بين علاقات الدول الخليجية والتي كانت متوارية عن الأنظار لسنوات طويلة باتت تأخذ مساراً علنياً ومتسارعاً في الأراضي اليمنية، ومنها ذلك الخلاف السعودي العماني المتنامي بشكل دراماتيكي.
الخلافات بين الرياض ومسقط قديمة جداً، ولطالما كانت توصف في مرحلة ما قبل اندلاع الحرب على اليمن أواخر مارس من عام 2015م بالتباينات والاختلافات الاعتيادية في وجهات النظر، لكنها باتت طافية على السطح حالياً فيما تزداد الهوة بينهما اتساعا وبصورة يومية.
كانت السعودية التي تقود التحالف العسكري في حرب اليمن المتواصلة منذ قرابة خمسة أعوام ترى على الدوام في جارتها الخليجية “عمان” ذلك الولد العاق والخارج عن الطاعة، وطالما كانت تتعامل مع العمانيين باستعلاء وبنظرة دونية، انطلاقا من الوضع الاقتصادي الهش لعُمان، قبل تولي السلطان الراحل قابوس بن سعيد، رحمه الله، مقاليد الحكم مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهي الظروف التي أجبرت الكثير من العمانيين على العمل في السعودية في مهن بسيطة يستهجنها السعوديون ومعظم الخليجيين، مثل العمل في قطاع النظافة وتصريف مياه المجاري وغيرها من المهن “المتواضعة”.
كان وصول السلطان قابوس، رحمه الله، إلى السلطة بعد الإطاحة بوالده مرحًبا به من قبل النظام السعودي، لكن السلطان قابوس اعتمد فور تسلمه زمام الحكم في السلطنة سياسة مستقلّة ومتعدّدة الأقطاب. وهو ما لم يرق لقصر الحكم في الرياض، فظل يتعامل معه بشيء من اللامبالاة وعدم الاكتراث، على الرغم من استيعاب السلطنة بعضوية مجلس التعاون الخليجي الذي تم تأسيسه في عام 1981م إلى جانب السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر. لكن سلطنة عمان غالباً ما كانت تتفرد بمواقف وعلاقات خارج إطار السرب الخليجي، لتتوج تلك السياسات التي كانت تقابلها السعودية، ذات النصيب الأكبر في الاستحواذ على المجلس الخليجي، بالامتعاض والتحفظ، بمعارضتها الواضحة للمشروع الذي قدمته الرياض نهاية عام 2013 م لتوحيد دول مجلس التعاون الخليجي، ولم تكتف مسقط بالمعارضة لهذا المشروع بل وهاجمته بقوة واصفةً إياه بأنه محاولة للهيمنة السعودية على الخليج.
لم يكن هذا الموقف العماني الذي اعتبره كثير من المراقبين حينها بالصدمة، التي لم تكن تتوقعها الرياض، السبب الوحيد للجفاء والبرود الدائم في علاقات البلدين، لكنه كان نتاج تراكمات لتوتر قديم لتأتي “عاصفة الحزم” وهي مسمى العملية العسكرية المتواصلة التي تقودها السعودية في اليمن وما أنتجته من تغييرات وتداعيات في المشهد السياسي والاجتماعي جنوب اليمن، وعلى مقربة من الحدود الغربية لسلطنة عمان، لتدق ناقوس الخطر الذي اعتبرته مسقط تهديداً حقيقياً لوجودها وأمنها القومي والاستراتيجي.
صراع متعدد
العملية العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن تحت عباءة تحالف عربي وبحجة إنهاء انقلاب الحوثيين على نظام الرئيس هادي؛ لم تحض بأي دعم أو تأييد من قبل مسقط، التي آثرت الحياد في البداية، قبل أن تصبح معارضة بشده للوجود السعودي الإماراتي المتزايد في جنوب اليمن، وخاصة في محافظة المهرة المحاذية للسلطنة، والتي تعتبرها عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي.

في أواخر عام 2017م نشر التحالف الذي تقوده السعودية قوّات استولت على المرافق العامة في المهرة، وسط حالة من التوتر المستمر بين السعودية والإمارات من جهة، وسلطنة عُمان من جهة أخرى، والتي باتت ترى في هذا التواجد المزدوج خطراً ثنائياً يهدد مصالحها وأمنها الاستراتيجي على المدى البعيد.
هذا النفوذ السعودي الإماراتي الذي صار واقعاً يومياً خلال العامين الماضيين في المهرة، وعلى بعد كيلو مترات قليلة من الأراضي العمانية، أخذ أبعادا أخرى للصراع المتعدد الاتجاهات، لتتصاعد معه وتيرة التوترات بين السعودية والإمارات فيما بينهما ومع عُمان من جهة أخرى، وباتت الأخيرة محل اتهام من قبل الرياض وأبوظبي بدعم حركة الاحتجاجات الشعبية الرافضة لهذا التواجد، الذي يعد من أبرز أسبابه – وفقاً لمحللين سياسيين – محاولة لتقليص التأثير والنفوذ العماني الواضح في عمق المجتمع المهري، ناهيك عن المصالح الاقتصادية التي تسعى الرياض لتحقيقها وعلى رأسها، كما يقول خبراء الاقتصاد، تلك المخططات التي تنفذها الرياض لبناء قناة تصل الخليج العربي ببحر العرب عبر محافظة المهرة، وبالتالي إنشاء منفذ بديل لصادرات النفط السعودية عن طريق مضيق هرمز الواقع تحت سيطرة ايران، والتي قد تغلقه في أي وقت بسبب الخلافات العميقة بين طهران والرياض.
أهداف أخرى
الاتهامات التي ساقتها وتسوقها السعودية لعمان وصلت إلى درجة تأكيد ضلوع مسقط في الدعم المباشر للحوثيين، وتبني عمليات تهريب منظمة لإيصال السلاح إلى مقاتلي صنعاء، لذلك سعت الرياض ولاتزال، كما يقول محللون سياسيون، لتنفيذ إجراءات اقتصادية متعددة بهدف إضعاف اعتماد القطاع الخاص اليمني على عُمان.

في وقت تبرر الرياض توجهاتها التوسعية في المهرة شرقي اليمن بالحق المشروع لمواجهة النفوذ العماني وسياستها المتماهية مع العدو الأكبر للنظام السعودي المتمثل في إيران؛ ترى مسقط في هذه السياسات خطراً وجودياً عليها، لذلك ارتفعت أصوات عمانية مؤخراً تؤكد ضرورة إنشاء تحالفات بديلة للسلطنة “في إشارة ضمنية إلى إيران “، في حال استمرت كل من السعودية والإمارات وحلفاؤهما في اتباع “سياسات غبية تزعزع استقرار المنطقة” وفقا لما نقله موقع “ميدل إيست آي” البريطاني عن مسئول عماني رفيع.
التوتر المتصاعد والصراع المتعدد، شرقي اليمن، بين القوى المتصارعة هناك ليس سوى ثمرة لتراكمات متواترة لتاريخ حافل بالتباين والخصام بين بلدان الجوار الخليجي، وهو كما يصفه محللون سياسيون؛ عميق ومعقد، وقابل للانفجار في أية لحظة.

شارك

تصنيفات: الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير

وسوم: ,,,,,

اترك رداً

لن يتم نشر ايميلك.