نفط الجوف.. “بئر معطلة” بقرار سعودي ( تقرير )

تقرير خاص – وكالة عدن الإخبارية

عاد الحديث عن نفط محافظة الجوف إلى الواجهة خلال اليومين الماضيين، على إثر انتشار مقطع فيديو قصير على مواقع التواصل الاجتماعي، يُظهِر تدفقاً للنفط الخام من إحدى الفوهات وسط الصحراء.
الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، لقي تفاعلاً كبيراً من قِبل ناشطين وإعلاميين وسياسيين، حيث أثاروا القضية التي تؤكد أن إيقاف استكشاف النفط والتنقيب عنه واستخراجه من صحراء الجوف، تم بقرار سياسي من السعودية، على مدى تحكمها بالقرار اليمني والتعامل مع اليمن كحديقة خلفية.
وظل ملف التنقيب عن النفط في محافظة الجوف اليمنية موضوعاً يلفه الغموض منذ سنوات طويلة، بفعل منع السعودية للتنقيب في هذه المحافظة المتصلة بشريط حدودي معها، عبر صحراء الربع الخالي، التي تُعدُّ بحيرة نفطية واحدة يُجرى استنزافها من الجانب السعودي، فيما يُحظر على اليمن القيام بأي نشاط نفطي في هذه المنطقة.
وبالمجمل، فقد منعت السعودية التنقيب في المناطق الحدودية، بحسب ما أفادت به مصادر مدعّمة إفاداتها بشواهد من الواقع وكذا وثائق منها معاهدة جدة لترسيم الحدود التي أبرمها النظام السابق مع السعودية في عام 2000، ونص أحد بنودها على عدم التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما في منطقة تبعد 40 كيلو متراً عن الحدود، إلا بموافقة كلا الجانبين، وهو ما التزمت به اليمن فيما لم تلتزم به المملكة.
وتؤكد المصادر أن السعودية عرقلت أي خطط يمنية للقيام باستكشافات نفطية في محافظة الجوف المحاذية لها، خوفاً من التأثير على مخزونها النفطي في الربع الخالي.. مضيفة أنه كان هناك اتفاق على فترات متعددة منذ الثمانينيات إلى مطلع الألفية بين الحكومة اليمنية في تلك الأثناء وشركة هنت الأميركية للتنقيب عن النفط في محافظة الجوف، ضمن قطاع “مأرب- الجوف” النفطي، لكن العملية توقفت أكثر من مرة بسبب تعثّر وصول تلك الشركات إلى المواقع المحددة في مناطق الجوف اليمنية، على الرغم من وجود عشرات الآبار النفطية في الحدود الموازية لها في المناطق السعودية.
بدأ التنقيب عن النفط في محافظة الجوف في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، عبر شركة هنت الأميركية، واستمر لفترة بسيطة، ثم توقف بصورة مفاجئة، وهو ما يعزز الاتهامات التي تُوجَّه للسعودية بمنع التنقيب في هذه المحافظة، لا سيما بعد أن برز هذا المنع بصورة واضحة عام 2013، وتشير الروايات إلى أن زعامات قبَلية موالية للسعودية وقفت خلف منع عمليات التنقيب قبل أن تعاود شركة صافر عمليات الاستكشاف والتنقيب في عام 2013، والتي استهدفت حفر أربع آبار في منطقة الخسف بالجوف، في ما يُعرف بالقطاع 18؛ لكنها واجهت تصعيداً سعودياً من خلال ملف ترحيل المغتربين اليمنيين.. ومما يزيد الأمر غموضاً عدم إعلان الشركة نتائج أعمالها التي توقفت، وانصرافها من المنطقة بدون إيضاح، واكتفت بالقول إن عملها جاء بناء على دراسات جيولوجية ومسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد، قامت بها في السنوات الماضية.
وأرجع سياسيون ومحللون، في حينه، أسباب توقف أعمال التنقيب عن النفط والغاز في محافظة الجوف إلى عوامل سياسية وأمنية، وأخرى مرتبطة بالتدخلات السعودية، فيما كشف مسؤولون -بينهم وزير الإدارة المحلية حينذاك “علي محمد اليزيدي”- عن ممارسات سعودية لمنع التنقيب عن النفط في المناطق الحدودية معها.
وفيما حرصت المملكة على إحباط أي محاولة للتنقيب عن النفط في محافظة الجوف، طيلة عقود منذ بدء عمليات الاستكشاف والتنقيب في ثمانينيات القرن الماضي؛ فقد كشفت تقارير إعلامية عن عمليات سرقة تقوم بها السعودية للنفط اليمني من مناطق حدودية، حيث نقل موقع “أميركان هيرالد تريبيون” -في تقرير له- عن خبير اقتصادي يمني قوله إن السعودية تسرق احتياطيات اليمن من النفط الخام في المناطق المتاخمة لها، بالتعاون مع شركة الطاقة الفرنسية العملاقة (توتال).
وأضاف الموقع -نقلاً عن خبراء اقتصاديين- أن السعودية تقوم بسرقة ما نسبته “63%” من النفط الخام اليمني، بالتعاون مع مسؤولين في حكومة هادي، بينهم هادي نفسه، مشيرين إلى أن السعودية أنشأت قاعدة نفطية بالتعاون مع شركة توتال الفرنسية في الأجزاء الجنوبية من منطقة “خرخير” بالقرب من محافظة نجران الحدودية السعودية، وتستغل النفط من آبار المنطقة.
وتحدث الموقع -نقلاً عن مصادره- بأن السعودية سبق وأن وقعت “اتفاقية سرية مع الولايات المتحدة الأميركية، لمنع اليمن من استخدام احتياطاتها النفطية على مدى السنوات الثلاثين الماضية”. وأضافت المصادر ذاتها أن “الأبحاث العلمية والتقييمات التي أجرتها شركات الحفر الدولية تُظهِر أن احتياطيات اليمن النفطية أكثر من الاحتياطيات المشتركة لجميع دول الخليج”.
وكانت وثائق سرية كشفها موقع ويكيليكس، من ضمنها برقية سرية للسفير الأميركي السابق لدى اليمن ستيفن سيش عام 2008، قد ذكرت امتلاك اليمن احتياطيات نفطية في محافظة الجوف، مما يجعلها واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط في المنطقة والعالم.
ومنذ اندلاع الحرب التي تقودها في اليمن منذ أواخر مارس من عام 2015، تواصل السعودية تدخلاتها بشكل مباشر في القرار اليمني، وخاصة بعد احتوائها لهادي وحكومته، وتتحكم -بالاشتراك مع الإمارات، أبرز شركائها في التحالف- تحكماً مباشراً في مصادر الثروات في المناطق اليمنية التي تحتلها، وعلى رأسها الثروة النفطية، بعد أن ضمِنت عدم إمكانية القيام بأي أنشطة استكشافية، سواء في محافظتي مأرب والجوف أو غيرهما من المحافظات، بحكم حالة عدم الاستقرار التي خلفتها هذه الحرب في مناطق واسعة من البلاد.
وتأتي القيود التي تفرضها السعودية على نفط اليمن عموماً ونفط الجوف بشكل أكثر خصوصية، في إطار مساعيها للحيلولة دون استفادة الشعب اليمني من هذه الثروة التي تختزنها أراضيه، وبالتالي استمرار حالة الفقر وما ينتج عنها من عدم استقرار، وإضعاف للدولة اليمنية، بما يضمن للسعودية استمرار سيطرتها وتنفيذ مشاريعها وأطماعها في اليمن.
ويرى خبراء اقتصاد أن السياسات والممارسات التي حرصت السعودية على انتهاجها على مدى عقود من الزمن في سبيل منع اليمن من التنقيب والاستكشافات النفطية، ساهمت إلى حد كبير في إبقاء أوضاع اليمنيين الاقتصادية متدهورة؛ كان الهدف منها جعل اليمن بؤرة فقر واحتراب يستنزف مقومات الدولة وطاقة أبناء الشعب للحيلولة دون بناء دولة قوية.

شارك

تصنيفات: الأخبار,الشريط الأخباري,تقارير

وسوم: ,,,,